Related Posts with Thumbnails

Monday, December 27, 2010

Husayn al-A‘dhami المقام العراقي ابا عن جد - حسين الاعظمي



Iraqi Maqam singer Husayn al-A‘dhami accompanied by the Iraqi Maqam Ensemble with Gulnar Musa as host on Morning Talk, Al-Jazeera channel, December 27, 2010

00:15 - Hel Laila Hilwa (rast mode, 4/4 wahda rhythm)
06:10 - Fraghum Bachani (bayat mode, 6/4 sengin sama‘i rhythm)
11:35 - Illa La Safir Lil Hind (bayat mode, 10/16 jurjina rhythm)
18:48 - Excerpt from Maqam Dasht
23:14 - Excerpt from Maqam Nawa (36/4 samah rhythm)
24:30 - Bazringosh (nawa mode, 6/4 sengin sama‘i rhythm)

برنامج حديث الصباح من قناة الجزيرة ولقاء مع قارئ المقام حسين اسماعيل الاعظمي مع فرقه المقام العراقي (الجوزه: محمد حسين گمر، السنطور: وسام ايوب العزاوي، الطبله: اديب الجاف، النقاره: عبد الكريم هربود جاسم، الدف: علي اسماعيل جاسم) بث يوم ٢٧ كانون الاول ٢٠١٠

هالليله حلوه نغم رست وايقاع الوحده ٤/٤
الاعظميه والمقام العراقي
فراگهم بچاني نغم بيات وايقاع سنگين سماعي ٤/٦
عن الموسيقار منير بشير واكتشافه لحسين الاعظمي
اله لسافر للهند واشوف حبيبي نغم بيات وايقاع جورجينه ١٦/١٠
شرح مفهوم المقامات العراقيه
تصنيف المقام العراقي كتراث انساني عالمي من قبل منظمه اليونيسكو
المقامات الدينيه والتلاوه والمناقب والاذكار ودورها في حفظ المقامات العراقيه عبر العصور
مقام الدشت وقصيده وضاح اليمن الا لا تلجن دارنا
الغربه والحنين الى الوطن وبغداد والاعظميه
مقطع من مقام النوى وايقاع السماح ٤/٣٦
يالزارع البزرنگوش من نغم النوى وايقاع سنگين سماعي ٤/٦


Vocals: Husayn Isma‘il al-A‘dhami
Joza: Muhammad Husayn Gumar
Santur: Wisam Ayub al-‘Azzawi
Daff: ‘Ali Isma‘il Jasim
Naqqara: ‘Abdul Karim Harbud Jasim
Tabla: Adib al-Jaff

Thursday, December 16, 2010

The Iraqi Joza آلة الجوزة العراقية

Suhayb Hashim al-Rajab
Maqam Nawa and Bazringosh

London Fiddle Conference
20-22 February, 2009



Excerpt read by Yeheskel Kojaman (author of The Maqam Music Tradition of Iraq)
Maqam Nawa (6:00)
Bazringosh, traditional song in nawa mode (8:48)


Kamanja is the name of the violin in Arabic but the special thing about this instrument is that it is called joza. Joza in Arabic means coconut. It is called a joza because its soundbox is made of a coconut shell. It is open from both sides, and one side is covered with a special skin - a fish skin, which is found in Iraq. This joza is, like a violin, played with four strings. The tuning is different from European tuning; it is like the tuning used in oriental instruments. But it is like a violin, and actually, today, they use violin strings for the instrument.

This instrument is used in a tradition called the Iraqi Maqam. The Iraqi Maqam is a musical tradition exclusively used in Iraq; it is only in Iraq even all other Arab countries do not know it and do not perform it. The Iraqi Maqam is actually a vocal tradition. We have now 56 pre-composed "songs", some of them very old, and some of them were composed at the beginning of the twentieth century. But all of them are called Iraqi maqams. They have special rules for the maqam, and we are not going to talk about that.

But the instruments with the maqam is [sic] not always used because it is a vocal tradition. It can be sang without instruments and with the accompaniment of instruments. The instruments traditionally used with Iraqi Maqam are two stringed instruments. One is kamana/joza, which we are going to see now. And the other is called santur, which is a sort of dulcimer. And, of course, with percussionists. This is the traditional group, which is called chalghi. The chalghi is the team which accompanies the maqam singer.

Mr. Suhayb is one of the most famous kamana/joza players. He is a member of a family - of a musical family. His father is a singer - maqam singer - and an authority in maqam history and theory, and a dulcimer player - santur player. All the brothers are famous musicians. Most of them are specialized in Iraqi Maqam music.

For instance, he will play maqam. But when he plays maqam, he is actually playing what he does when he accompanies the singer - and the sound, the playing of a maqam, which should be sang actually. And when he plays Maqam Nawa or Maqam Hijaz Kar or Maqam Rast or any other maqam, he is playing what he plays when he accompanies a singer. He doesn't sing but he plays it.

Well, I think we shall now listen to a maqam played, then we'll talk about Iraqi maqams.

He is playing a maqam which is called Maqam Nawa, one of the 56 maqams which are known in the tradition today.



جزء من محاضره عن آله الجوزة لصهيب هاشم الرجب يقرأها حسقيل قوجمان (مؤلف كتاب الموسيقى الفنيه المعاصره في العراق) في مؤتمر لندن لآلات الكمان،٢٠-٢٢ شباط/٢٠٠٩

الكمنجة هو اسم الكمان في اللغة العربية ولكن الشيء الممميز في هذا الآلة هو أنها تسمى الجوزة. الجوزة في اللغة العربية تعني جوز الهند. وسميت بالجوزة لأن صندوقها الصوتي يصنع من قشره جوز الهند. وتكون مقطوعه ومفتوحه من الجانبين، ويغطى جانب واحد بجلد خاص وهو جلد السمك المدبوغ المستخدم في العراق. هذه الجوزة لها اربعه اوتار مثل الكمان. لكن ضبط الاوتار او الدوزان يختلف عن الدوزان الأوروبي، وهو يشبه الدوزان المستخدم في ضبط الآلات الموسيقية الشرقية. لكنها بصوره عامه تشبه الكمان، وفعلا فانهم اليوم يستخدمون اوتار الكمان في صناعتها

وتستخدم هذه الآلة في تراث يسمى المقام العراقي. المقام العراقي هو تقليد موسيقي مستخدم في العراق حصرا، وباقي الدول الدول العربية الأخرى لا تعرف هذا التراث ولا تؤديه. المقام العراقي هو في الواقع تراث غنائي. لدينا الآن سته وخمسون من (الأغاني) بعضها قديم جدا وبعضها لحنت في بداية القرن العشرين، وجميعها تسمى مقامات عراقية. طبعا لديهم قواعد خاصة للمقام العراقي، ونحن لسنا بصدد الحديث عن ذلك

لا ترافق الالات الموسيقية قارئ المقام دائما لأنه تراث غنائي بالدرجه الاساس، ويمكن أن يغنى مع او بدون مرافقة الموسيقى. الآلات الموسيقية المستخدمة تقليديا مع المقام العراقي هي آلتين وتريتين. احدها الكمانه او الجوزة، التي سنسمعها الآن. وتسمى الآلة الاخر السنطور، وهي نوع من المعازف. وايضا عازف الإيقاع طبعا. هذا هو الجوق البغدادي التقليدي، أو ما يسمى الچالغي، وهو الفريق الذي يرافق مغني المقام

السيد صهيب هو من اشهر عازفي الكمانة او الجوزة، وهو من عائلة موسيقية معروفه. فوالده (الحاج هاشم محمد الرجب) قارئ مقام ومرجعيه في تاريخ ونظرية المقام العراقي وعازف على آلة السنطور، و اخوته جميعا من الموسيقيين المشاهير وهم متخصصون في موسيقى المقام العراقي

على سبيل المثال، سوف يعزف الآن مقام، ولكن عندما يعزف مقام فانه في الواقع يعزف وكأنه يرافق المغني. اي انه عندما يعزف مقام نوا أو مقام حجاز كار أو مقام راست أو اي مقام آخر، فانه يعزف ما يعزفه عندما يرافق المغني. فهو لا يغني المقام بل يعزفه

أعتقد من الافضل ان نستمع الآن إلى مقام ثم سنتحدث اكثر عن المقامات العراقية

سوف يعزف مقام يسمى مقام نوى وهو احد المقامات ال٥٦ المعروفة اليوم (واغنيه البزرنگوش من نغم النوى


*


مقال للاستاذ قصي الفرضي يشرح طريقه صنع الجوزة مع الصور نقلا عن اشهر صانع لها في بغداد المرحوم تركي الجراخ وهو من خبراء المقام العراقي
هذه القياسات للالة الجوزة افادني بها المرحوم تركي الجراخ عام ١٩٧٧حين صنعت هذه الجوزة، وقام بجراخة الزند والمفاتح لي بواسطة الة الخراطة اليدوية (التورنة) واعطاني هذه القياسات وافاد بان هذه القياسات هي المعتمدة لالة الجوزة من اساتذة العازفين اليهود منذ ان كان عاملا صغيرا عند والده الذي كان ايضا جراخا للخشب وصانعا للجوزه في عشرينيات القرن الماضي في محله الكائن في شارع الامين قرب تمثال الرصافي ... ومما يذكر اني قد اخبرته بان الاستاذ شعوبي ابراهيم يصنع الزند من خشب النارنج او المشمش وبطول اقل قليلا من قياساته فأجابني غاضبا وبعصبية ان شعوبي قد خرب صناعة الجوزة بهذا العمل وانه لايقبل العمل الا بقياساته هو وبخشب الزان فقط (وباللهجة العراقية: لتعلمنه انت وشعوبي شغلتنه) وحينها اضطررت للقبول بالموضوع لانه افضل الجراخين لها ولايوجد احد اعرفه سواه يتقن هذه المهنه في وقتها. ومن الطريف انه حينما اكمل العمل وتقاضى مبلغ دينار واحد له وكان مبلغا ليس قليلا حينها قال لي: انك شاب في مقتبل العمر ومثقف (شاهدني وانا بالزي الجامعي واحمل الليفكس) اشجابك على هذي الشغله العوجه؟ فأخبرته انها للهواية فقط، فقال لي اتركها والتفت لدراستك ان من يمشي وراهه ميصير ابراسه خير

Saturday, December 11, 2010

المقام العراقي فن راق وشعبي في الوقت ذاته

جاك كليمان
٠٣‏/١٢‏/٢٠١٠

بغداد (ا ف ب) - لا يزال المقام بتقنياته المعقدة التي تعود الى العصر العباسي ربما، احد صروح الثقافة العراقية بحيث يحظى بتقدير واحترام من مختلف قومياته وشرائحه الاجتماعية. ويعزف هذا الفن الموسيقي الحاضر في عدد من بلدان الشرق الاوسط باشكال مختلفة، بالالات مضى على اختراعها الاف السنين

ويقول موفق البياتي مدير بيت المقام، ومقره بغداد، ان "الكثير من الفنانين العراقيين يعتقدون بانه يعود الى العصر العباسي ( ٧٥٠-١٢٥٨ ميلادي). واذا صح ذلك، فسيكون في الحقبة الاخيرة من حكم هذه السلالة التي اطاح بها المغول. واضاف البياتي الشغوف بفن المقام ومؤلف كتابين عن هذا الفن: "نجد في نصوص المقام مفردات لم تكن موجودة ابان العصر العباسي".

اما الخبيرة في شؤون الموسيقى العراقية شهرزاد حسن، فترى ان المقام تطور عبر القرون، متأثرا بثلاث حضارات هي العربية والفارسية والتركية التي شكلت بغداد هويتها حولها. واكدت رواج فن المقام وتأثيره في حياة البغداديين، قائلة: "كان المقام في القرن العشرين احد ابرز صروح الثقافة في حياة بغداد"، ورغم ممارسته من قبل النخب نظرا للتعقيدات المرتبطة بدراسته، الا انه يمتلك ابعادا شعبية. وتابعت ان "مجتمع المقام كان يجمع الفنانين في المقاهي والمحسنين من منظمي الحفلات، وجمهور من الهواة الملمين نوعا ما بالمقام". وتحتفظ حسن بحوالى خمسين من المقامات بمختلف نصوصها الشعرية

وتطلق على مغني المقام تسمية (قارىء) كدليل على الاحترام الذي يكنه له المستمعون

ويقول العازف طه غريب بحنين واضح: "في السابق، كانت حفلات المقام تنظم في جميع المناسبات من الولادة حتى الوفاة (...) لان هذه الموسيقى الدينية والدنيويه في وقت واحد تتحدث عن الوجود". وحتى اليوم، فان المقام لا ينتمي لاحد انما لجميع القوميات المتواجدة في العراق. ويحظى بمحبة العرب والاكراد والتركمان نظرا لتاثره بمختلف التيارات

ومن قارئي المقام المشهورين، يوسف عمر وحسين الاعظمي وناظم الغزالي ومحمد القبنجي

وتقول حسن: "من وجهة نظر تاريخية، تأثر المقام بمناهج ثقافية رائعة من شأنها تشجيع احترام التنوع الاثني والاجتماعي كونه عبارة عن خليط وتعبير عن هوية جماعية". وترى ان افول نجم المقام في النصف الثاني من القرن العشرين يمكن تفسيره جزئيا بالتغييرات الاجتماعية في العراق وخصوصا ظهور طبقة وسطى تتوجه الى قاعات تصدح فيها موسيقى يسهل فهمها

يشار الى ان الظروف القاسية التي عاشها العراق ابان النظام السابق، خصوصا الحروب المتلاحقة والحصار اثر اجتياح الكويت، ترك اثاره على المجتمع الذي بدا البحث عن موسيقى حديثة

Wednesday, December 8, 2010

Iraqi maqam emerges as casualty of modernity and war

Members of the Iraqi "maqam" group Angham al-Rafidain perform in Baghdad

By Jacques Clement (AFP)

Link to video report

BAGHDAD — Performing before a half-empty room at Baghdad's Alwiyah Club, Taha Gharib is conscious that the music he has passionately played for decades -- traditional Iraqi maqam -- is dying.

Victim of the country's growing modernity and years-long violence, the poetic form of music that came to symbolise the newly-born Iraq that emerged after the fall of the Ottoman Empire is now played by fewer and fewer groups.

"Iraqi maqam risks disappearing with our generation," laments Gharib, who leads one of just five remaining maqam troupes in Iraq.

"People don't respect maqam anymore because today they prefer singers who just make noise," the 46-year-old says after his performance in Alwiyah, a rare oasis of cultural freedom in Baghdad, which remains plagued by violence.

Maqam ensembles typically include musicians playing a joza, an eastern lute, a tabla, and a santur, a trapezoidal box with 24 strings, though there are frequently more instruments involved, as a singer recites often centuries-old lyrics.

Gharib's quartet, for example, also includes a musician playing an oud, another type of lute.

Dating as far back as the end of the Abbasid era, which ran from the 8th to the 13th centuries, maqam became ingrained in Iraq's cultural identity in the decades following the country's modern founding in 1921.

"In the 20th century, maqam was a pillar of cultural life in Baghdad," notes Iraqi ethnomusicologist Scheherazade Hassan. While those who performed were typically those who had studied maqam for years, she says, it retained a wide audience.

She adds that maqam "historically fulfilled the purposes of a cultural ideal to foster respect for ethnic and social diversity ... it is an expression of collective identity."

But two factors were predominant in its decline: firstly, the rise of an Iraqi middle class who began to call for a wider variety of music, including Arabic pop.

And secondly, high levels of violence in the aftermath of the 2003 US-led invasion that ousted dictator Saddam Hussein forced hundreds of thousands of Iraqis to leave the country, and maqam artists were no exception.

Another consequence of the violence was that many of the places where maqam was played closed their doors, and communal bloodshed made it difficult for performers of various sects to play in certain parts of Iraq.

As if to drive home the point of maqam's decline, as Gharib and his quartet play to a crowd of around 100 diners, Arabic pop music blares from adjacent rooms where two weddings are underway.

Maqam today is treated almost like an artefact in a museum, a remnant of a bygone era.

Taha Gharib, maqam singer and joza player

"The ministry of culture calls on us from time to time to perform at recitals outside of Iraq, at the request of foreign countries," Gharib says, noting that he has had to take a job as a civil servant in the industry ministry because maqam no longer brings in enough income.

The slow death of form of music is evident also at the very institution that is meant to safeguard it in Iraq, the House of Maqam.

Given the decrepit building that houses it in central Baghdad to the high average age of those who come to listen to maqam players ply their trade, the typically sorrowful rhythm of maqam seems a fitting backdrop to its decline.

On this particular day, a musician performs for around a dozen listeners, singing of lost love:

"The flames of love make me cry/Others toast to love, but all I have is pain/I don't want to suffer any more, but I am drowning/I cry like a lost dove/Lost by day and by night."

While maqam techniques long used to be passed along as musicians rubbed shoulders at ubiquitous Baghdad cafes, this is no longer the case.

Instead, Mowaffaq al-Beyati, the head of the House of Maqam, advocates the creation of a school that teaches it to Iraqi youth.

"Maqam is one of the most difficult things to learn, and to sing, and this is especially true for young people today because they do not get any opportunity to hear it," he says.

In Beyati's favour is UNESCO's addition in 2008 of maqam to its Intangible Cultural Heritage of Humanity list, meaning Iraq can apply for funds to establish just such a school.

UNESCO, when contacted by AFP, said that no such application had yet been made, however.

At present, the only place interested students can learn maqam is at Baghdad's Institute of Musical Studies on the banks of the Tigris.

"Maqam is part of our identity, our roots -- we cannot forget that," notes Sattar Naji, the director of IMS, where one quarter of the curriculum focuses on maqam.

"The public will tire of you if all you play is commercial music, but they will remain faithful if you have mastered maqam," says Naji, who in addition to heading IMS, also plays oud in Gharib's ensemble.

Naji says he is hopeful of a future revival of maqam, when his country puts the constant violence behind it, and recalls the Iraqi proverb that notes, "A happy soul sings."

An Iraqi music teacher addresses a classroom of students at a music school in Baghdad

Tuesday, December 7, 2010

الشيخ جلال الحنفي والمقام العراقي


يحيى ادريس

بثقة اقول ان المرحوم الشيخ جلال الحنفي مؤسسة نقدية لمطربي المقام العراقي منذ العشرينيات والى رحيله في ٥/٣/٢٠٠٦ . فقد توثقت علاقتي بالحنفي منذ السبعينيات واقتربت منه كثيرا وحاججته مرارا وتكرارا لكنه لا يلين ولا يستكين

فالمقام العراقي عنده خط احمر للمتطفلين عليه او الذين يتخذون منه مجالا للرزق والتكسب والتقرب من جاه السلطة. وهو، أي المقام، تحفة فنية لا تأتيها الا الرموز الكبيرة مثل رشيد القندرچي ومحمد القبانچي وحسن خيوكة وعباس كمبير وطاهر توفيق وعلي مردان واسماعيل الفحام. والحنفي رحمه الله يراقب القراء من خلال ضبطهم للنغم لا للنص، وكان يفضل المطرب الذي يحترم القطع والاوصال، ويرفض بقسوة من يحاول الاختصار او التملص السريع من بنية الترتيب النغمي للمقام الواحد كما فعل ناظم الغزالي والاجيال المتأثرة به او الاجيال التي تأثرت بيوسف عمر وامتطت حناجرها المقام للارتزاق. وكان الحنفي ايضا لا يكترث بغناء البستة ويعدها من طبيعة غناء النسوة لما فيها من تمتع وتغنج وتخنث. همه الاول والاخير اداء المقام كما استلمناه من القدامى

وفي بحر الثلاثينيات اصدر جريدة الفتح وجعلها منبراً نقدياً لاذعاً ولادغاً لاجتهادات مطربي المقام العراقي وخاصة شيخ المقامات العراقية محمد القبانچي الذي اجتهد في ابتكار مقامات جديدة ولحن عشرات البستات وغنى المقام واقفا واهتم بالنص والنغم على حد سواء لنقل المقام من النخبة القليلة الى عموم الشعب العراقي. كان الحنفي على نقيض من هذا التصرف وكتب نقودا مؤذية عن القبانچي ودعاه الى العودة الى التقليدية المقامية الا ان القبانچي مضى في طريقه بشجاعة الفارس الذي رسم طريقه وهدفه فاستسلم الحنفي على مضض لمنهج القبانچي بعد ان اجتاحت الساحة المقامية اصوات هشة في سنوات الخمسينيات والستينيات والسعبينيات

لقد كان للحنفي مواقف مماثلة مع قراء الاداءات الدينية الذين لا يجيدون معرفة اسرار الانغام المقامية. ولم ينج احد من لسانه ونقداته المرة خاصة الشباب منهم. وحاولت عدة مرات ان اشجعه لتمييز مطرب مقام او مؤدي قرآن كريم من الشباب فامتنع قائلا: (المقام تراث الوطن وقيمته لا تقل شأنا عن قيمة اي صرح تاريخي وتراثي. والصبايا لا يفهمون هذه القيمة وهم تجار فاشلون

كان صارما في ارائه وجريئا في قولها. لذلك تحاشى الكثيرون من اهل المقام الاقتراب منه او الاستئناس برأيه. وهو موسوعة مقامية تحمل الكثير من العلم والثقافة والنقد. مرة سألت القبانچي عن رأيه بجلال الحنفي فقال: (قلعة العلم، وبصيرة مقامية لا يطالها احد). كان هذا التعبير الافصح لمكانة الحنفي في شؤون المقام العراقي

في عام ١٩٨٨ تأسس بيت المقام العراقي الذي لم شمل اهل المقام العراقي تحت خيمة رسمية ولأول مرة في تاريخ العراق المعاصر، وشكلت لجنة استشارية لنشاط البيت ضمت نخبة من المثقفين في حقول المقام العراقي هم الشيخ جلال الحنفي، د.عبدالله المشهداني، عبدالوهاب . الشيخلي، حسين قدوري، روحي خماش، عباس جميل، غانم حداد، سالم حسين، د.نوري حمودي القيسي. واشرفت هذه الهيئة على المنابر الثقافية للمقام العراقي وعلى المهرجانات والمسابقات المقامية في قاعة الرباط وقاعة الشعب والمتحف البغدادي وحققت انجازات رائعة. لكن آراء جلال الحنفي في المقام العراقي ظلت على عهدها ورفضها لاي مجتهد وكان يدعو الى تسييد النغم المقامي في الحناجر الشبابية وينتقد اسلوب عرض المقامات الفرعية في التلفزيون والاذاعة. وطالبنا بتقديم المقامات الطويلة والمعقدة مثل (الابراهيمي، المنصوري، الرست، الحجاز ديوان

في اعمدته الصحفية العديدة نال المقام العراقي نصيبا وافرا منها على شكل مسامير او نقدات تلطيفية. فالمقام عنده هاجس اصيل يقلقه ليلا ونهارا ويحضر مؤتمراته ويدلو بدلوه. رحم الله الشيخ جلال الحنفي الرمز البغدادي والمقامي فضلا عن ريادته في الشؤون الدينية كعالم جليل ومثقف فاضل ومؤلفاته الكثيرة ومقالاته التي ملأت الصحف منذ الثلاثينيات ولغاية السنوات المتأخرة وشغلت الناس لجرأتها وبراعة كاتبها.

عن جريدة الصباح
*


جلال الحنفي يتذكر بغداد مطلع القرن العشرين
من باب المعظم الى المربعة، البيوت التجارية، شرائع بغداد، المطبخ البغدادي

كتاب (بغداد) للشيخ الحنفي

ادركت بغداد واستوعبت طراز الحياة فيها على مستوى شعبي، ولم تكن على عهدنا ذاك إلا مدينة صغيرة تبدأ بباب المعظم وتنتهي بالمربعة - طولا - ومن نهر دجلة الى ما يقرب شيئا غير كثير من مقابر الشيخ عمر السهروردي - عرضا - والمراد بهذا التحديد هو صوب الرصافة، اما صوب الكرخ فكان اصغر من ذلك ويربط بين الرصافة والكرخ جسر واحد من خشب يعتمد في ذلك على جساريات اشبه شيء بالقوارب الكبيرة وسيرد الكلام على ذلك غير مرة. وأدركت من ابوابها باب المعظم وقد هدم في العشرينيات والباب الوسطاني -وما زال قائما - والباب الشرقي وقد هدم بعد ذلك.

وكان في بغداد شارع واحد هو جادة خليل باشا التي لم يكن قد مر على شقها سوى وقت قصير، لذا كانت ارصفتها ظاهرة عليها آثار التهديم ولم يدب دبيب العمران إلا في انحاء قليلة منها، ثم اطلق على هذه الجادة اسم شارع الرشيد.واتذكر اني كنت اخرج من هناك احيانا من اجل الحصول على شيء من التراب الاحمر النقي لاقوم بعجنه وصنع بعض التماثيل منه اذ كان مطلوبا منا ذلك في درس (اعمال اليد) وانا في الرابع الابتدائي.

وقد اعتاد اهل بغداد ان يخرجوا الى جهة الشيخ عمر ايام العيد للتفرج والنزهة، وكانت تقام هناك مراجيح الاطفال ودواليب الهواء والفرارات، ويجتمع خلق من الناس معظمهم من الاطفال من اول الصباح حتى تجنح الشمس للغروب. فان انتهت ايام العيد وهي ثلاثة للفطر واربعة للاضحى، انتهى كل ذلك الى انفضاض اذ (تفلش) المراجيح وتنقض عرى الدواليب. وكان مثل ذلك او بعضه يقع في باب المعظم وباب الشيخ وغيرهما من الاحياء الشعبية، وكان امتطاء الحمير المستأجرة من بعض حاجات الصبيان ذات الاولوية في العيد.

وادركت بغداد وهي مصيف الطيور المهاجرة وفي مقدمتها اللقالق التي كانت تتخذ اعشاشها على اعالي قباب المساجد والمآذن وبعض قباب الكنائس واجراسها وتظل ليالي الصيف تلقلق باصواتها التي الفها اهل بغداد وكانوا يستطيبونها ولا يضجرون منها. على ان الناس لم تكن تأمن هذه اللقالق التي كانت تسطو على بعض القطع من الملابس وغيرها فتنقلها الى اعشاشها التي يأوي اليها ذكران اللقالق واناثها ومعها صغارها. ولم يكن احد يؤذيها او يصطادها حتى ولو سقطت في البيوت والطرقات، مما قد يقع لها احيانا، ومن الطيور المهاجرة التي كانت كثيرة الظهور في بغداد ما يسمى (السند وهند) وهو الخطاف والسنونو اذ كانت هذه الطيور تبني اعشاشها في غرف البيوت الآهلة بالسكان ولا تخشى شيئا ولم نكن نمسها بسوء اذ كنا نسمع التحذيرات الكثيرة من الاهل بأن الذين يتعرضون لهذه الطيور بشيء من الاذى يصابون بحمى شديدة وكانت الناس تخاف الحمى وتخشاها كل خشية. وطريقة بناء العش الذي يقيم فيه هذا الطائر طريقة جميلة ونادرة في اعشاش الطيور. وفي جيل الناس اليوم انتهى عهد هجرة اللقالق الى بغداد بالمرة. وهي هجرة كانت قد لفتت انظار كثير من السياح الاجانب ممن كانوا يزورون بغداد صيفا. وقد حاك العامة اقاصيص واناشيد في الكلام على اللقالق ومخاطبتها فكان الصبيان يرددونها في بعض العابهم ومن بعض الفاظها (لگلك لگلك بواگ الصابونة من جوه الرازونة) يلفظون ذلك بلحن يحفظونه. اذ كانت اللقالق تسمى لكالك واحدها لكلك.

وادركت بغداد تمخر دجلتها البواخر التي تسمى مراكب واحدها مركب وغالب عملها النقل والتجارة وقد عرفت شريعة المصبغة بانها ميناء هذه البواخر. وما من احد في بغداد من ابناء جيل العشرينات لم يشاهد ذلك. وهذا مما زال من بغداد نهائيا. ونشأت لدى البغداديين في هذا امثال ومقولات كثيرة فيها ما هو جد وما هو هزل. فقولهم (مراكبه غرگانه) يقولونه في المغموم غما شديدا من دون ما يستوجب الاغتمام فكأنه تاجر غرقت مراكبه في البحر بما فيها من بضائع وسلع تجارية فركبه بذلك الهم العظيم. ومن اغانيهم الهزلية التي شاعت ايامذاك على عهد التسجيل الاسطواني اغنية (مركب فجل سويت وچروخة شلغم).

ومن هنا تكدست البيوتات التجارية في شارع النهر كبيت الشابندر وبيت الخضيري والبيت التجاري الانكليزي المسمى ستيفن لنج كما ان القنصلية البريطانية كانت في هذا الشارع حتى اوائل القرن العشرين اذ اتخذت مقرها بعد ذلك في السنك ولم يكن ثمة جسر في هذه الجهة بل كانت مكانه سكاليل تباع فيها الاحطاب والمواد الخشبية المستعملة في البناء. ولقد كنا نرى سكاليل الحطب كثيرة في البلد منها ما كان في محلة السور وفي محلة الحاج فتحي وفي شارع النهر وغيرها.

لقد الف المطبخ البغدادي استعمال الحطب في الطبخ وما من رجل كان صبيا في تلك الايام ولا امراة إلا نفخت النار تحت قدر الطعام لاسيما ان كان الحطب طريا. ومن هنا جاء قول القائلة: (نفخت وطبخت) وفي الامثال البغدادية (خلص النهار بنفخ النار) اي انتهى النهار بهذا الجهد الثقيل المتعب.

وقالوا في بعض امثالهم: (دخانك عماني وطبيخك ماجاني) يقال في الجار لا يكرم جاره ببعض طعامه . وربما تأثر الطعام المطبوخ بدخان الحطب فظهر ذلك في مذاقه فيقال فيه (مدخن). ونحن ادركنا هذا وعشناه وعايشناه. وكنا نرى باعة الحطب يحملون على ظهورهم حزما منه ينادون عليها في الطريق، ومن اغلى انواعها (البرماجة) وعرفنا انواعا من حطب الطبخ احسنها الطرفة. وربما اشترى الفقراء العاكول الاخضر فطبخوا به طبيخهم فاكثروا النفخ فيه. والاستعانة بالاطفال على هذا كانت مالوفة. والموقد الذي رايناه ايام طفولتنا هو الموقد العربي القديم باثافيه الثلاث.

ورأينا بعض التطور في ادوات الطبخ والاته اواخر العشرينات اذ ظهرت البريمزات – جمع بريمز – التي تعمل بالنفط وشاهدنا مطابخ نفطية تعمل بالفتائل الثلاث بعضها بفتيلتين ولم تظهر المواقد النفطية المكتملة التطور إلا بعد حين طويل. وكان الفحم وهو انواع منه (فحم كراجي) ويستحسن الناس استعماله في اعداد الشاي بالسماورات والمناقل. ويستعمل ايضا للاوتيات، جمع اوتي، اي المكواة التي تسوى بها الملابس المغسولة ويستعمل في النواركيل كذلك وقالوا في المفلس: (مضروب جيبه اوتي) ومن انواع الفحم فحم الشوك ويستعمله جماعة الچايچية في الغالب

وشاهدنا بغداد والناس تشرب ماءها من الحباب التي تملأ من قبل السقاقي الذين كانت لهم في بغداد احياء تلم شملهم احيانا. وللعامة في السقاقي – جمع سقا وعمله انه يساقي امثال عديدة منها في صفة المكدود الضيق الرزق: مثل (السقا من يطلع من المي تيبس ذياله) وفيها (گالوا له للسقا چب صار جيرة ولزگ بالحب) اي ان السقا اذا طلب منه عدد من القرب زاد على ذلك ليصيب من اثمان قربه ما يعيش به، ولكن المثل يضرب في اللجاجة

ادركت بغداد واهلها يشربون من حباب الماء، وكنا اذ نشرب الماء منها نرى (العلگ) – العلق – يسبح فيه فننحيه ما استطعنا ثم نشرب الماء – وانما ننحي ما كبر منه وظهر للعين المجردة اذ كان السقاء يملا الحباب هذه بماء يغترفه من ساحل النهر، وهو وغيره وبعض الدواب تخوض فيه بالاقدام الى جوار من يسبح من الناس ومن يغسل في النهر ما يغسل من اشياء. واذا اخلص السقاء واراد ان يحسن الخدمة ويرضي مستأجريه في اداء المهمة اوغل في النهر فاستقى من مواقع بعيدة عن الشاطيء.

وكانت في بغداد شرائع تنفذ منها بغداد الى دجلة منها شريعة المجيدية – مدينة الطب – والميدان و النواب (في شارع المستنصر) والمربعة. وكانت للقرب سوق للحاجة اليها في اكثر من امر فانها كان يقوم عليها بناء الاكلاك – جمع كلك واسطة نهرية انتفت الحاجة اليها منذ حين - . كما كانت القرب تتخذ اوعية لنقل المياه الثقيلة واقذار البلاليع – البالوعات – وخنس المرافق ويقال لهذه القرب (صلوخ) – واحدها صلخ – ويستفاد من هذه المياه احيانا في تسميد المزروعات لاسيما الخس.

وكان بعض السقائين يرشون الاسواق وبعض الساحات امام المقاهي وغيرها لقاء ما ينفحهم به اصحاب هذه المقاهي وغيرهم من نقود مياومة او في اوقات متفق عليها. كما كان بعض السقائين يبيعون الماء البارد بقربهم ومعهم طوس معدنية وربما وزعوا الماء بالمجان (السبيل) اي ان يتبرع بعض محبي الخير بثمن ما في القربة من ماء لتشربه السابلة.

ولقد ادركت الثلج ينادي عليه باعته ويكثر ظهورهم بعد العصر – بقولهم: (الليلة وغرة يا ثلج) والوغرة شدة الحر في الفصيح. وكان الثلج يباع بالميزان، ويكون لدى باعته التبن يعطون منه لمشتريه شيئا يضعه تحت الثلج فيحمله فلا تتعرض يده للتثليج والبرد الشديد لا سيما ان كان من الصبيان. وكان اهل بغداد يعنون بتبريد الماء من الليل في مشاربه من قلل وغيرها على السطوح وتيغها ويسمون ذلك عند الصباح "مي بيوتي" . ومن مزايا نساء البيت اعداد الماء البارد وتدبيره دون الاحتياج للثلج. ومن هنا قالوا (بتشرين يتساوى مي النادرة والجايفة) لان اثر الجو ظاهر في هذا الموسم على الماء وغيره.

وادركت الناس تتعاطى من الاشربة الباردة – مما يسمى اليوم بالمرطبات – شربت الزبيب الذي كان ينادي عليه باعته بلفظ (شربت زبيب واليندب الله ما يخيب) غير ان في الناس من كان يتخذ من هذا الشربت مادة غذائية يفطر عليها في الصباح ولا اعلم في الاشربة ما يغالب هذا الشربت في نكهته وطيب مذاقه. ومثل ذلك شربت التمر هند والبلنكو.

اما الشنينة وهي اللبن يكون فيه الماء الكثير مع الثلج فكان من خيرة اشربتهم في الصيف ولا سيما ساعة الافطار في رمضاناته. على انه كانت لهم ملاعق خاصة بذلك تصنع من الخشب المنقور او النحاس لها هيئة لا تشبه سائر الملاعق. وكان باعة اللبن يضعونه في الانجانات فان زاد نشفوه في اكياس من الخام الابيض ليمكث قيد الانتفاع الزمن الطويل فاذا ارادوا استعماله اخرجوا منه مايكفي ومردوه مع الماء وقالوا في اللبن المنشف: (ما يعرفك يالبن غير اليمردك). كان لعلب اللبن المتنوعة الاحجام (گشوة) يفطر عليها كثير من الناس ولا الذ منها شيء من نحو گيمر وما اليه ولكن الگشوة لا وجود لها اليوم.

اما النامليت و السودة فقد ادركت ظهورهما في قنان كان فتحهما من الصعوبة اذ كانت تسد بكرة زجاجية – دعبلة – سدا محكما فاذا اريد تنحية الدعبلة هذه عن مكانها وكانت تكمن في تجويف لها خاص داخل القنينة فانهم يضعون ابهام اليد اليسرى على الدعبلة ويضربون الابهام بجمع الكف فتنزاح الكرة الزجاجية عن مكانها فيتهيأ افراغ ما في القنينة من الاشربة الغازية المحلاة بشيء من السكر وتكون مبردة في العادة. اما السودة فلا سكر فيها. ولم يعرف اهل بغداد شراب البرتقال وغيره إلا بعد حين طويل. ولكن كانت هناك اشربة مصنوعة من الصبغ والسكر توضع في اوعية يحملها الباعة معهم كانت تلفت نظر الصبيان اذ يستخرج منها الشربت بانبوبة يكبسها البائع بأصبعه فان رفع اصبعه عنها تساكب منها ما يراد افراغه في الطوس او الكؤوس.

ولم تكن (الدوندرمة) إلا من بعض ما يرغب فيه الاطفال والشباب ولم تكن هناك حوانيت لصنعها وبيعها، بل كان باعتها يتجولون بها في الطرقات ينادون عليها بلفظ (قيما غلي). وهناك من يتخذ له مكانا في السوق يبيع به هذه المادة التي كنا نغرم بها ونحن صغار. وقد كنت اشتريت قوطية مما يصنعه التنكچية – السمكرية – لصنع الدوندرمة فكنت اتفنن في صنعها من شتى الانواع والمواد والاصباغ. ولا وجود لهذه القواطي في الوقت الحاضر ولم يعد للهو والتشاغل بها من مجال بعد ان كثرت في عالم المرطبات انماطها الكثيرة وغلبت الناس على اوقاتهم امور اخرى غيرها.

ادركت بغداد ومطبخها لا يعرف من انواع الدهن سوى الدهن الحر الذي هو الزبد منتزعا منه اللبن ويباع مجلوبا الى بغداد بالعكك فيضعه اهل البيوت في الخمام والبساتيك. وكان في الناس من يشتري الزبد ثم يعالجه باستخلاص الدهن منه فيستعمله في الطبخ. وادركت بغداد اذا طبخ التمن اي الرز في مطابخها طبخ على حالتين اولاهما ويقال لها (التطبيگ) وذلك بخلط الماء والدهن المدوغ في اسفل القدر فاذا غلي الماء وضع فيه التمن المغسول من قبل فترة حتى يتم نضجه، فاذا اوشك ان يتم له ذلك خففوا من ناره كي يتهدر اي يتهدى اي يأخذ سبيله الى النضج على نار هادئة، وفي مثل للبغداديات (التمن المهدى للسلاطين يتودى) اي الرز الذي يكون مجود الطبخ يصلح ان يهدى للملوك والسلاطين وذلك لتميزه بالنفاسة واللذة وحسن النضج. والطريقة الاخرى وهي المفضلة في طبخ التمن وقد انقرضت هي ان يطبخ بالماء فاذا تم له النضج فرقعوا عليه الدهن الحر بالطاوة اي اذابوا الدهن على النار اذابة تامة ثم سكبوه على وجه التمن في القدر فيبدو لمرأى التمن وقد رش عليه الدهن، المفرگع ما يثير شهية المشتهي. وكلمة (فرگع) اتية من صوت فرقعته عند سكبه على التمن اذ يكون ذلك بصوت مسموع مصحوب بالفرقعة. ولا يصب او يفرغ من هذا التمن من قدره هذه شيء إلا لصاحب البيت او الضيف المقرب. ومن هنا قالوا: (يأكل من رأس الجدر) للمحظوظ الذي تتجه العناية اليه دون سواه فيأكل الذ المطبوخات قبل الاخرين. ومن عادتهم بعد افراغ الدهن الذي في الطاوة على التمن في قدره ان يأخذوا بالچفچير شيئا من التمن المطبوخ فيضعوه في الطاوة ليصيب من بقايا الدهن فيها وهذا يقدمونه لاعزاء صبيانهم، او تأكله الطابخة متلذذة بما تم على يدها من طبخ الرز الذي كان اهل بغداد يغالون في امره ويجعلون وجوده على المائدة من بعض معالم الخير في بيوتهم. فاذا لم يكن ثمة دهن كاف للرز وصفوه بانه (تمن كفار) باسكان الكاف – واصل اللفظ من القفار في الفصيح بمعنى مقارب. وقد زال دور الطاوة في هذه المهمة من المطبخ البغدادي منذ عقود.

وادركت يهود بغداد لا يستعملون سوى الشيرج في التمن فكنا لا نرتاح لرائحته وهو يفرقع في الطاوة ثم علمنا ان هذه الطريقة هي طريقة للبغداديين القدامى من عهد بعيد، وقد اكدت ذلك كتب الطبيخ القديمة، وحين عشنا في الصين كان غالب ما نستعمله من الدهن دهن السمسم الذي هو الشيرج عينه. لم تكن بغداد تعرف بعد الدهن الحر إلا الدهن المتخذ من اللية المسلية وكانت في بغداد بيوت تصنع هذا وتبيعه.

وكان اهل بغداد اذا طبخوا الدولمة فلعلهم يستعملون في طبخها احيانا (دهن الزيت) اي زيت الزيتون، فترى لها به على لهوات الاكلين لذة ظاهرة وهي بهذه الطريقة اكلة مترفة. وادركت اهل بغداد يطبخون السمك بالمرق ويلاحظون صبيانهم عند اكله ويسمونه المطبگ.

ورأيتهم يطبخون الشجر – القرع – باكثر من طريقة منها ان يطبخوه بالكركم وبعد ذلك يرشون عليه مسحوق الفلفل الاسود، وهي اكلة في غاية اللذة رايت القدر البغدادي الحديث قد اقلع عنها. وكانت الكفتة المدورة بحجم الجوزة الصغيرة يطبخونها في قدر ملأى بالمرق مع معجون الطماطة والكرفس من الاكلات البغدادية الشهية ويسمونها احيانا (آية كفته سي) اي الكفتة المكورة بامرارها على راحة اليد.

ومن المآكل البغدادية الكبة بانواعها وفي مقدمتها (كبة الحامض شلغم) ومنها ما يسمى بكبة حلب ولا علم لاهل حلب بمثلها، غير ان هذه الكبة تصنع لافطار الصائمين في رمضان ولم تكن تعرف في غيره وكانت تحشى باللوز المقشر والكشمش وتغمس في صفار البيض عند المباشرة بعملية القلي فتكون عليها قشرة ترق من جانب وتثخن من جانب والكبة هذه من الحجم بحيث لا تكاد تكون منها سوى لقمتين يقضمهما الآكل بلذة لا تعدلها لذة.

ومن المآكل البغدادية اكلة البراصة التي تطبخ من البصل الاخضر يقطع بطول يقرب من (الفتر) ويبدأ اولا بقليه ثم وضع المرق عليه فتسرط لقمه سرطا إذ لا يدركها المضغ لسرعة انزلاقها في بلعوم الآكل. ويكون مع البراصة الرز المطبوخ فهي به امرى واشهى.

ومن المآكل البغدادية التي ادركناها المحشيات التي تصنع من لب الخس أو الخيار او البيتنجان وغيرها تقلى قليا تاما ثم تحشى باللحم المثروم ويكون معها المرق بمعجون الطماطة بمقدار.

وكان للبورك المقلي بالدهن يغرق فيه تغريقا، اكثر من نوع، وما نراه في المطابخ البغدادية الحديثة من انماط البورك يبتعد عما الفناه في مطابخها قبل اليوم، ولعل السبب في هذا يرجع الى ان البغداديين القدامى كانوا يرون كل اللذة في المطبوخات الدهينة المبالغ فيها وفي امثالهم (فلوسك بالدهن ولحمك بلاش) وكانت الخبازة اذا اخرجت رغيف الخبز حارا من التنور بادر بعض القوم فوضع على الرغيف شيئا من الدهن الحر الخالص ودافه بقدر من السكر الناعم وراح يلتهمه بشراهة لا تجد في مواجهتها ما يدعو الى الانكار والاستغراب ويسمى ذلك بالمريس.

اما انواع الشوربة والحساء فانها كانت كثيرة اشهرها شوربة الهرطمان وغالبا ما كانت تعد لاكلات الصباح ايام الشتاء ومنها شوربة الماش وتكون بقشره او مصفاة منه. وشوربة العدس وهي اكثر ظهورا في قدورهم ومما كان سائدا في المطبخ البغدادي الشعبي شوربة الچشچ يكون متحجرا شديد الحموضة اذ اصله عجين مخلوط باللبن يجففونه ويدخرونه ويضعون معه عند الطبخ شيئ قليلا من الرز، وبعد النضج يسكبون عليه الدهن المدوغ، ومن انواع الشوربة شوربة الشعرية وغالبا ما تصنع للمرضى والناقهين.

وكان لصنع المحلبي في المطبخ البغدادي طريقة غير الطريقة المعروفة اليوم باستعمال انواع من النشا. فان النساء كن يغسلن مقدارا من التمن ويتركنه ليجف قليلا بعد ابعاد الماء عنه فاذا بلغ درجة الجفاف المطلوبة دقوه بالهاون دقا وصنعوا منه الدقيق. وبهذا الدقيق نفسه يطبخون المحلبي فاذا القوا على الحليب وهو يخاط داخل القدر خوطا بمهارة ودقة شيئا من ماء الورد والهيل بات المحلبي من الذ مآكل المائدة، وعادتهم ان يفرغوه في الصحون غير العميقة وهو ساخن ثم يتركوه ليبرد على الهواء فيتم لهم بذلك التوفيق التام.

ورايت البغداديين يرجحون في صنع المحلبي حليب الجاموس لما فيه من دسم على حليب البقر. وبديهي ان المحلبي يكون ذا حلاوة ظاهرة وكان بعض اهل بغداد يحلونه بسكر القند مبالغة في تجويد طبخه، وهي طريقة يجهلها المطبخ البغدادي اليوم. ويمتاز المطبخ البغدادي باجادة صنع الحلوى البغدادية التي لا تضاهيها إلا الحلاوة المسكتية.

وكنا نأكل من مطبوخات المطبخ البغدادي مما لم يعد له وجود اليوم نوعا من شجر الاسكلة ويكون طبخه مصحوبا بشيء من السكر وهو من المآكل البغدادية القديمة وكان يهود بغداد يغرمون به اشد الغرام. ويمكن شراء القطعة منه دون الزام المشتري بشراء القرعة الواحدة كلها.


*


عن الشيخ جلال الحنفي

عبد الجبار السامرائي

في الرابع من آذار اخترمت يد المنون العلامة الموسوعي الشيخ جلال الحنفي البغدادي (بغداد، ١٩١٤- ٢٠٠٦). لقد كان الرجل انسكلوبيديا، ومكتبة متجولة، وشخصية طريفة ومقامجي ومقرئ قرآن من الطراز الفريد من نوعه، فضلاً عن اهتماماته بالتراث الشعبي ورائداً من رواده في العراق. ولو اردنا استعراض منجزاته في هذا الحقل المهم لاحتجنا الى تأليف كتاب قائم بذاته، ولكننا سنعرج على ما قدمه الشيخ الراحل من اسهامات خدمت التراث الشعبي، على سبيل المثال، لا الاحصاء وسنقتصر على الكتب فقط المطبوعة والمخطوطة

١- الامثال البغدادية، ج١، مطبعة اسعد، بغداد ١٩٦٢، ٣١٦ صفحة من الحجم الكبير
ج٢، مطبعة اسعد، بغداد، ١٩٦٤، ٢٥٦ صفحة من الحجم الكبير. كتب المقدمة الشيخ محمد رضا الشبيبي
٢- الايمان البغدادية، (مع ملاحق تضمنت الايمان الحلية والموصلية والعمارية والهيتية والسامرلية والكربلائية والناصرية)، مطبعة دار التضامن بغداد، ١٩٦٤، ١٧٤ صفحة / كبير
٣- معجم اللغة العامية البغدادية، ج١ ، مطبعة العاني، بغداد ، ١٩٦٣، ٤٣٤ صفحة / كبير، تضمن الالفاظ المبدوءة بحرف الالف
ج٢، مطبعة اسعد، بغداد، ١٩٦٦، ٢١٤ صفحة/ كبير، تضمن الالفاظ المبدوءة بحرف الباء
ج٣، مطبعة دار الشؤون الثقافية، ١٩٩٣، ٢٧٧ صفحة / كبير.
٤- معجم الالفاظ الكويتية، مطبعة اسعد، بغداد، ١٩٦٤، ٤٢٤ صفحة/ كبير
٥- الصناعات والحرف البغدادية، (بحث في الصناعات والحرف، مشفوع بثلاث وعشرين صورة فوتوغرافية)، مطبعة شركة دار الجمهورية، بغداد، ١٩٦٦، ٢٣٦ صفحة / وسط ، اصدار وزارة الثقافة والارشاد العراقية
٦- المغنون البغداديون والمقام العراقي، مطبعة دار الجمهورية، بغداد، ١٩٦٤، ١٢٠ صفحة/ وسط، من منشورات وزارة الثقافة والارشاد العراقية. وهي دراسة عن المقام العراقي والغناء البغدادي وتلقيه في الچالغي البغدادي والموالد والاذكار والتمجيد على المنائر، وتضمن الكتاب ٢٣٠ شخصية من قراء المقام العراقي، وقد ورد اسم الشيخ جلال الحنفي ضمن تلك الاسماء، قدم له عبد الحميد العلوجي، ونقده الحاج هاشم الرجب في مجلة (بغداد)، العددان (١٤ و ١٥) ١٩٦٤
٧- الدر النقي في علم الموسيقى، (تحقيق مخطوطة للسيد احمد بن عبد الرحمن القادري، المعروف بالمسلم الموصلي)، من منشورات وزارة الإعلام، مطبعة الجمهورية، بغداد، ١٩٦٤، في ٧٣ صفحة/ وسط
اصل هذه المخطوطة يحمل اسم (بيان المقامات الحلية مع الفروع والأوزان الاصلية) لمؤلفه عبد المؤمن البلخي، وهو بالفارسية. وقد ترجمه الى العربية المسلم الموصلي، وحققه الشيخ الحنفي وقدم له وعلق عليه – عن نسخة المرحوم سعيد الديوه چي – في الموصل المنسوخة عن نسخة عبد الغني النقيب. ويشير محتواه الى بيان اصل المقامات ودائرتها وتعلقاتها بالبروج والافلاك والساعات، وطبائعها وما يوافقها من الحروف حال قراءتها، والمجالس وما يوافق كل مجلس على حسب طبائع المستمعين، وكيفية قراءتها والتنقل من مقام الى مقام
٨- قواعد التجويد والالقاء الصوتي، نشر وزارة الاوقاف والشؤون الدينية – احياء التراث الاسلامي، مطابع دار الحرية ، بغداد ، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ٤٩٠ صفحة / كبير
٩- لمحات عن المقام العراقي، نشر وزارة الثقافة والاعلام دائرة الفنون الموسيقية، من منشورات المركز الدولي لدراسات الموسيقى التقليدية، بغداد، دار الحرية للطباعة، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م، ٢١ صفحة /كبير. وفضلاً عن اللمحات، صنف الحنفي رحمه الله اسماء قراء المقام العراقي حسب التسلسل التاريخي، ذاكراً اسم كل قارئ، والمدينة التي ينتسب اليها، وتاريخ الولادة، وتاريخ الوفاة، وهو جهد بارز حقاً.
١٠- التلاوة البغدادية ودورها في حماية النغم وانمائه، دراسة اعدها لمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي للموسيقى العربية ببغداد، عام ١٩٧٥
١١- المقام العراقي، تاريخه واصوله، لم يطبع. اشار اليه مؤلفه في كتاب (المغنون البغداديون) ص٢١، عسى ان تتولى طبعة اسرته من بعده
١٢- محمد القبانجي، تاريخه وحياته، مخطوط، لم يطبع
١٣- مستدرك (المغنون البغداديون) ، مخطوط لم يطبع
١٤- اطرف ما كتب الحنفي مقدمته الفولكلورية لكتاب (الزوج المربوط) وهو الرجل المخذول ليلة الدخلة، تاليف عبد الحميد العلوچي، الصادر عن مطبعة اسعد، ببغداد، عام ١٩٦٤، ٥٢ صفحة / وسط

ولو استعرضنا مقالاته وبحوثه الفولكلورية المبثوثة في الدوريات العراقية لاحتجنا الى مساحة كبيرة، وقد نعود الى هذا الاحصاء في مناسبة اخرى. رحم الله الشيخ جلال الحنفي الذي كان يحب تراث عراقنا الحبيب، ويحرص عليه كثيراً ، وكان يحثنا على الانهماك في جمعه ودراسته وعدم التخلي عنه. برحيل الشيخ الحنفي، فقد التراث الشعبي علماً بارزاً من اعلامه، لكن اثاره تبقى شامخة خالدة ومنهلا للدارسين

عن جريده المدى