المقام العراقي: موروث فني عريق مهدد

د. شهرزاد قاسم حسن

يوجز هذا المقال١حالة أحدى واجهات الثقافة المتوارثة المتمثلة بالمقام العراقي وهو احد أهم التعبيرات الموسيقية والاجتماعية والثقافية لمدينة بغداد التاريخية, كما يتطرق إلى بعض التغييرات التي جابهها هذا النوع الغنائي الحضري خلال القرن العشرين.

تدور فكرة المقال على أن المقام العراقي الذي يمثل النوع الفني الأساسي والأقدم للحضارة الصوتية والموسيقية للعراق لم يستطع الحفاظ على مكانته خلال العقود الماضية بفعل عوامل اجتماعية وسياسية مركبة. ففي زياراتي الميدانية الدراسية المتعددة خلال العقد الأخير من القرن الماضي عاصرت شعور الإحباط عند عدد من المهتمين في عالم المقام. وقد دعمت المقابلات التي قمت بها ذلك الخطاب الذي كان سائدا في أوساط قراء المقام و أساتذته الكبار ونخبة من المختصين به وخبرائه إضافة إلى كبار الهواة العارفين بأسرار هذا الفن عن تدهور ثقافة المقام العراقي بل حتى عن نهايته وموته.

وقد تعاظمت ذروة الإحساس بانتهاء المقام مع فترة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة بين الأعوام ١٩٩١ - ٢٠٠٣ على العراق والذي ضاعف من معاناة العراقيين عامة حيث قرر بعض مؤدي المقام الانزواء في بيوتهم والكف عن الغناء أو العزف.

وقد صرح لي الحاج هاشم الرجب (١٩٢١ - ٢٠٠٣), وهو أحد أكبر المختصين بالمقام العراقي من الناحيتيين الأدائية والنظرية, في أعقاب حرب ١٩٩١ بأنه أنعزل ولم يعد يميل التحدث عن المقام لولا مجيئي من الخارج قائلا "أنا أقول واكرر إن المقام انتهى وما دمنا نحن أحياء سوف لا نراه. ربما بعدنا [ سيرجع]" (مقابلة خاصة ١٩٩٣).

كما كتب لي أحد كبار الهواة, من الرعاة القدماء للمقام الذين عاصروا هذا الفن في كل أطواره, قبل وفاته ما يلي "أن مجتمع المقام أصبح في خبر كان" (باهر فائق, ١٩٩٦) و "أن المقام العراقي توفي ولم يحضر أحد تشييع جثمانه ولم يعد هناك ما تبحثين عنه". وقد نستطيع تعليل سبب هذا الإحباط الذي عانى منه الجيل القديم إلى أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يجدوا في أداء المقام في الفترة الأخيرة التي عاصروها ما يذكرهم بمجده أو حتى بهويته التي كانوا يتفاعلون معها. إلا أن هذا التفسير لا يشكل إلا جزءا من حقيقة مركبة.

ان الاعتقاد بتدهور ثقافة المقام لم يكن وقفا على أصحاب المدرسة القديمة. ففي فترة الحصار عاش الموسيقيون المحدثون منهم والتقليديون شانهم شأن كافة مكونات الشعب العراقي صراعا اقتصاديا شرسا من أجل البقاء بعد ضرب الدولة و تدمير البنية التحتية للعراق. وبدأت آثار الحصار تظهر في تفكيك كافة جوانب الحياة متضمنة الحياة الموسيقية. أدت الظروف الاقتصادية الصعبة إلى تشتت جهود المؤدين والعازفين فمن اجل أعالة عوائلهم اختار بعضهم ترك العراق ومنهم من اضطر إلى قبول أداء أنواع متعددة, بل أحيانا متضاربة, من الموسيقى أثرت على تركيزهم كما تركت أثرا في حالات أخرى على نوعية الأداء (مقابلة, ١٩٩٥)٢

ومع هذا فقد تشبث بعض مؤدي المقام من الشباب في تعلمه وأدائه في بيت المقام الذي تأسس خصيصا للحفاظ على هذا النوع الغنائي. والواقع إن انحسار دور المقام في الحياة الاجتماعية ولا سيما عند الطبقات الجديدة الصاعدة جاء نتيجة لتراكم مجموعة من العوامل المركبة والاختيارات التي قام بها أصحاب القرار مواكبة للتغييرات التي طرأت على المجتمع الحديث.

على أية حال لم يعد لهذا التراث الفني الأقدم موقع كاف في التمثيل الحضري الجديد. وحيث كانت ثقافة المقام التي تغطي منطقة واسعة من الحيز الخاص بالحضارة العربية الإسلامية تمتد من كشمير إلى أذربيجان وإيران عبر اوزبكستان وطاجيكستان وتركمنستان أكثر انتشارا على الساحة الموسيقية الدولية, كانت معرفة المقام العراقي في الوقت ذاته يسيرة لعدم إدراك السلطات المسئولة عن الحياة الموسيقية, والتي تمتلك سلطة القرار التمثيلي, مكانته التاريخية والحضارية في الوقت الذي كان يتم فيه التركيز أولا على منظومات قيمية جديدة مقتبسة من الغرب تأتي على حساب الموروث وليس بموازاته.

مع هذا فقد ظل المقام يؤدى في الأوساط التقليدية وأوساط بعض المحبين له وما زال له هواة كبار مطلعين على أسراره يتابعون مجرياته حتى وضع الاجتياح الأمريكي للعراق وما تبعه من تردي في الأوضاع الاجتماعية حدا لأداء المقام في بغداد. ما الذي حدث لهذا التراث الموسيقي خلال القرن الماضي؟ وما هي الأسباب التي دعت ممثلي الأجيال القديمة إلى اليأس من حالة المقام العراقي. وهل يمكن التحدث عن خطر اندثار هذا التراث؟

ما هو المقام العراقي؟

ولكن قبل كل شئ ما هو المقام العراقي وماذا يمثل من الناحية الاجتماعية والثقافية في العراق؟

المقام العراقي هو أقدم نوع موسيقي يمثل الحضارة الرفيعة للمجتمع المديني وصلنا بالتوارث عن حقبة لا نعرف بدقة أصولها التاريخية رغم إننا نعرف مكانة وأهمية هذا التراث الغنائي ومؤديه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

في منتصف القرن العشرين كان خزين المقام يضم أكثر من خمسين مقاما تختلف في قدمها, في تعقيد بناءها وفي درجة صعوبتها (انظر هاشم الرجب, ١٩٦١ و ١٩٨٣) وهي كلها تعتمد في قوانين تنظيمها النغمي على أسس متصلة بالنظريات العربية الإسلامية التي انتقلت إلى مؤدي المقام من القراء شفاها٣. كانت المقامات تؤدى في تسلسل معين ضمن ما يسمى بنظام الفصول تحولت في الأربعينيات من القرن الماضي إلى فصول حرة لا تخضع للأصول القديمة. وتضم كافة الفصول إلى جانب المقام أغان وصيغا غنائية أخرى تتخلل غناء المقام إضافة إلى الارتجالات التي تصاحب قراءته أو تسبقه مع صيغ آلية مؤلفة بدأت تستخدم إما كمقدمات للمقام أو تؤدى بين الفصول الحديثة الحرة في تسلسلها.

في النصف الأول من القرن العشرين كان هذا التراث القديم في كامل حيويته يمثل التعبير الغنائي الأساسي عند ركيزة اجتماعية عريضة تنحدر من مختلف طبقات المجتمع المديني تلتف حول "جماعة المقام" أو أهل المقام٤ المكونة من مؤدين ذوي مهارات وتقنيات خاصة بهذا النوع, والتي تحتاج إلى سنوات طويلة من التدريب والممارسة لاكتسابها. إضافة إلى القراء تشمل جماعة المقام الخبراء والهواة ثم رعاة المقام الذين يدعمونه ماديا ومعنويا. وهؤلاء كلهم من ذوي المعرفة الدقيقة بتفاصيله يشكلون وحدة اجتماعية وظيفية مفتوحة تفاعلت خلال القرن الأخير بصورة متباينة مع التحديات المختلفة.

أن من أكثر جوانب هذا التراث مثارا للاهتمام, لما يحمله من معنى في هذه المرحلة الصعبة من التاريخ السياسي للعراق هو أن المقام العراقي الذي يمثل الحيز الثقافي التقليدي في المدن الكبرى يكشف عن أن خزينه كان دوما ميراثا موسيقيا يجمع الاختلافات القومية والاجتماعية المحلية والتي تظهر بوضوح عند تحليل بناه التركيبية والشكلية. كما أن سياقات أدائه الدنيوي تأسست على الجمع بين مؤدين من مختلف الانتماءات القومية والدينية والطائفية والاجتماعية التي تشترك في فهمه, في حاجتها إلى إنتاجه وبث معانيه وفي تذوق جمالياته وفي التعلق المفرط به ولانفعالها بسمعه وأداءه٥

وإذا كان المقام نموذجا موسيقيا ورمزا لتضمين الاختلافات التي بني المجتمع العراقي عليها فانه بأصوله وببنيته يرتبط بتأثيرات تمتد إلى ما وراء الجغرافية المحلية التي تتمثل بالتأثر المتبادل مع ثقافات الجوار التركي والفارسي والعربي. وهكذا فان خزين هذا الميراث هو نتاج تركيبي لمجموعة من العوامل المتراكمة والمكونة من إبداعات محلية ومن تفاعلات إقليمية تدخل ضمن الإطار الفكري والنظري والاجتماعي للحضارة الإسلامية.

لا يختلف المقام العراقي عن التقاليد المحلية الأخرى, العربية منها وغير العربية, في تعرض سياقه الاجتماعي وأحيانا بنيته الموسيقية إلى عوامل التغيير مهما كانت درجة هذا التغيير وتقييمه من الناحية الانثروبولوجية. ولكن إذا ما قورن وضع المقام بما كان عليه في النصف الأول من القرن الماضي فلا بد من الإقرار بأن مؤدي المقام من الجيل السابق لم يكونوا مخطئين في أن الخزين الكامل للمقام أختزل كثيرا في السياق الدنيوي كما أن دوره الاجتماعي المتوغل في كافة الطبقات كان قد انحسر إضافة إلى حضوره في الحيز الداخلي والخارجي أصبح أكثر تحديدا

التغيرات الاجتماعية والمفاهيمية

منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر وبصورة أكثر وضوحا منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية, تعرض المجتمع العراقي إلى تغيرات كثيرة على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وطغت حمى التغيير في الخطاب العام حتى أصبح التغيير هو التحدي الأكبر الذي يواجه كل من يريد تحديث المجتمع (الوردي, ١٩٧٢).

وفي سلسلة من العمليات المتعاقبة تعرف المتنورون والأفندية والسياسيون على الاختراعات والعلوم والأفكار الأوربية كما دخل الفكر والأدب الأوربيين عن طريق مصر وترجماتها للفكر الأوربي إلى العربية أو عن طريق الطبقات الحاكمة المتأثرة بتركيا (علي الوردي, ١٩٧٢ :ص ١١). لعب الميل إلى النموذج الأوربي وما يدعو للتغيير الثقافي والاجتماعي دوره في الانحياز موسيقيا إلى النموذج الأوربي ورسوخ الاعتقاد –نظريا على الأقل- بأنه النموذج الذي يمكن أن يساعد الموسيقى الشرقية في لحاقها بأوربا.

بعد إعلان الدستور العثماني عام ١٩٠٨ الذي فتح الباب أمام الحريات الفردية في ارض ذات تقاليد دينية راسخة ظهرت أولى التغيرات الموسيقية الاجتماعية مع تأسيس الكباريهات ومقاهي الرقص والغناء التي هزت المجتمع المديني المغلق. ويعدد عبد الكريم العلاف في كتابه "قيان بغداد" (العلاف, ١٩٦٩) أسم ١٥٥ مغنية راقصة سورية ومصرية دخلن العراق في فترة عقدين بعد إعلان الدستور وذلك حتى ظهور راقصات مغنيات عراقيات (نفس المصدر, ص ١٨٠ ١٨١).

وكانت جماعة المقام أول من اصطدمت بواقع الكباريه إذ كانت تنظر إلى هذا العالم الجديد بكثير من الرفض والخشية والإحساس بالإهانة ولاعتقادها بان ما تمثله بعيد عن القيم التي نشا في سياقها المقام العراقي. وهناك ذكريات يرويها أهل المقام عن الكيفية التي كان أهل المقام القدماء ينظرون لعالم الكباريه. وإذا كانت الصيغ التقليدية هي التي كانت قد هيمنت وتقاطعت مع بعضها قبل تأسيس الدولة الحديثة فان حركة "الموسيقى الحديثة" كشفت عن الحاجة إلى تغيير نوعي جاء بنماذج موسيقية جديدة (قوجمان, ١٩٧٨). فقد أدت حاجة الكباريهات المتزايدة إلى غناء جديد من وضح ملحن محلي راقه التحرر من الإطار المتزمت للمقام العراقي الذي كان يراه محددا لحريته. وكان الملحن الحديث يرى أن الموسيقى "الحديثة" تمنحه حرية التصرف بالأركان التغمية والإيقاعية والشكلية للموسيقى بدلا من الإذعان لشروط المقام العراقي والتمسك بمساره اللحني وبمقاماته وإيقاعاته المفروضة (نفس المصدر السابق).

وفي نهاية العشرينات عندما انتشرت اسطوانات ذات ال ٧٨ دورة التي بثت الغناء المصري في أوساط الشباب تمت الاستعاضة في المقاهي عن الغناء الحي بالحاكي مما أدى إلى انقطاع غناء المقام في المقاهي العامة لأكثر من عقدين ونصف٦

ثم جاءت مدرسة العود في نهاية الثلاثينات وتعرفت بغداد على الصيغ الآلية العثمانية وبصورة متزامنة تقريبا دخلت الموسيقى الكلاسيكية الغربية ونظمت لها حفلات عند كل من الخاصة وفي معهد الموسيقى. وتبلورت حركة لتطوير الموسيقى المحلية متأثرة بالنموذج الغربي التي اعتمدت التوزيع الاوركسترالي وانتشرت أنواع كثيرة من ألاغاني الشائعة.

وهكذا نشأت حياة موسيقية متعددة الجوانب في العاصمة أخذت مساحة من الحيز الذي كان خاصا بالموسيقى التقليدية وعلى رأسها المقام العراقي بحيث أصبح هذا النوع الأساسي واحدا من الأنواع وليس أساسا لها. ولأنه يمثل انتماء إلى الماضي و لأن حركة التجديد ومؤسسات التعليم اعتمدت المدون وما تسميه "بالعلمي" فإنها لم تجد له مكانا ملائما في المؤسسات التعليمية باستثناء سنة واحدة تم فيها تدريس آلتي السنطور والجوزة في معهد الفنون الجميلة٧

وقد يبدو من باب التناقض أن شيوع الموقف السلبي تجاه المقام لم يقف عائقا أمام استلهامه من قبل الموسيقيين وإدخاله في الأنواع الموسيقية الحديثة. وللأهمية اللحنية لهذه النوع في الذاكرة العراقية وتجسده في اداءات تقليدية متعددة, دينية ودنيوية, وانتشاره في الأوساط الحضرية فانه كان مصدرا أساسيا للاستلهام النغمي, للاقتباس والاستشهاد الحرفي لكثير من التيارات الموسيقية الجديدة والصيغ الأدائية التي ظهرت عبر القرن الماضي أهمها الارتجالات التي تؤدى على الآلات الموسيقية المختلفة والتي برز بها العود المنفرد بشكل خاص بين السبعينيات والتسعينيات.

ألا إن هذه الاستفادة كانت ذات طبيعة إشكالية فالاقتباس من المقام واللجوء إلى ألحانه لم تكن تعني القبول به على شاكلته التقليدية لأسباب يرجع معظمها إلى كونه تعبيرا لم يعد حضوره ضروريا عند الكثير من المحدثين. ولعل أحدى نتائج التغييرات الاجتماعية الثقافية التي صاحبها التأثير المتزايد للمفاهيم الغربية انعكست في المفاهيم التي بات يحملها المثقفون والموسيقيون المتعلمون عن الموسيقى وتحديثها ولا سيما عجزهم عن تفسير الثقافة المحلية بمعايير ذاتية محلية وتاريخية. ويكمن جوهر هذا العجز بعدم اهتمام المثقفين الجدد بالثقافة التقليدية الأمر الذي لاحظه الإنكليز عند حكمهم للعراق والذي ورد في كتاباتهم٨.

ففي الثلث الأخير من القرن الماضي لم يكن معظم الموسيقيين المتعلمين حتى من محبي المقام ناهيك عن المثقفين يعرفون ما يمثله المقام العراقي موسيقيا أو اجتماعيا في العراق ولا يستطيعون تعيين موقعه من حيث علاقته بالمنطقة الجغرافية التي يشترك معها بهذا التراث. وكان دوره عندهم يتحدد في كونه ممارسة شفهية دون علاقة باستمرارية تاريخية يشكل فيها المقام جزءا من تعبير اجتماعي وثقافي للمدنية الإسلامية. وليس من باب التناقض في الحالة هذه أن يتعاطى معظمهم -بعكس أجيال التقليديين منهم- مع المقام على أنه لم يطرأ عليه تغيير عبر الزمن ولذا يستحسن تكيفه ليستجيب لمتطلبات التطور والتغير. وبعكسه فهو يترك في موقعه التقليدي دون دعم كبير٩

ثم انتشر في أوساط المتعلمين مفهوم آخر ترك أثرا ما زال ساريا في المجال الموسيقي الحديث يتعلق بمكانة المقام في نظام التصنيف الشفاهي المعاصر للموسيقى. كانت نظم التصنيف الموسيقى المحلية التي وردت في كتابات الباحثين التقليديين تنظر إلى الأنواع التقليدية دون تراتبية بينها, لكل منها تسميتها وصفاتها (حمودي الوردي, ١٩٦٤). لم يكن هناك مفهوم خاص بالموسيقى الفنية عدا كونها موسيقى حضرية. وعلى أثر تأسيس المركز الفولكلوري في بغداد في ستينيات القرن الماضي انتشرت مطبوعات كثيرة في تعريف الفولكلور أثارت اهتمام القراء العراقيين

وقد تكون الشعبية الواسعة للمقام عند طبقات الحرفيين والكسبة من أهل المدن هي التي رسخت الاعتقاد عند المحدثين أن المقام نتاج شعبي أي فولكلوري لا يرتبط بأسس نظرية واضحة. وهكذا تم تشخيص وتحديد موقع المقام من قبل المثقفين وكثير من المسئولين يدعمهم بذلك خريجو المعاهد الموسيقية الكبيرة من العالمين الغربي والاشتراكي على انه نتاج فولكلوري لأن الكلاسيكية أو الفنية كانت في نظر هؤلاء وقفا على تقاليد أوربا (شهرزاد حسن ٢٠٠٤). وقد سمح هذا الفهم ظهور رأي نادى به بعض الموسيقيين والمؤدين المعروفين حول ضرورة "تطوير المقام", بني على أساس فكرة تحديث الفولكلور, التي كانت وما زالت تعني في العراق إدخال الهارموني علي المقام أو حتى تحويله إلى أوبرا أو غيرها من التقنيات التغريبية.

تميز عقد السبعينيات بانتشار ثقافة المهرجانات في المنطقة. واتخذت المؤسسة العراقية نموذجين مقتبسين لتمثيل التراث العراقي في داخل وخارج العراق: الأول منها يسمى بالفرق الفولكلورية ويدعو إلى أعادة صياغة التراث الموسيقي من خلال إعطائه أشكالا جديدة تعتمد على الاستقطاع منه و توزيعه بشكل جديد يراكم ملامح مسرحية في التوزيع والعرض المتضمن للرقص والأزياء.

أما التوجه الآخر فقد تمثل بتشكيل فرق التراث التي تقدم المقام إلى جانب فقرات أخرى من التقاليد الشعبية. ولأن نتاجات هذه الفرقة موجهة أصلا للآخر من الجمهور الخارجي غير المتخصص فقد تم في هذه الصيغة تجنب المقامات الصعبة أو الطويلة ذات الصعوبة التقنية ثم تم تجنب بعض التقنيات التي كان يعتمد عليها الأداء التقليدي مثل استخدام إيماءات الوجه وحشرجة الصوت لاعتبارها غير جمالية وغير لائقة للتمثيل الخارجي. اعتمدت هذه الفرق في أداء المقام على موسيقيين وعلى طلبة وخريجي المعاهد ذوي ثقافة موسيقية متعددة الجوانب أدوا دورهم بالربط بين فقرات تنتمي عادة إلى أنواع موسيقية لا تؤدى تقليديا في السياق ذاته.

التعليم وأشكالية القديم والحديث

في الفترة السابقة للمرحلة الحديثة كانت النظرة إلى العالم قائمة على سلطة التعبير الشفهي في حين وضع النموذج الحديث هدفه في تحقيق أولوية المدون. ترجمت الأفكار المستقاة من النموذج الأوربي موسيقيا بالأهمية التي أعطيت للتدوين ولمنهجية التعليم المكتوب الذي يسمى محليا أيضا ب"الميثود". أكتفي هنا بالإشارة إلى فترتين نموذجيتين في التجريب وهي كل من الفترة الممتدة من ١٩٣٦ إلى أوائل الخمسينات ثم فترة السبعينات.

انتشرت المعاهد الأهلية لتعليم الموسيقى في عشرينات القرن الماضي في العراق (قوجمان, ٧٩:١٩٧٨ ١٠٦) قبل تأسيس ما سمي لاحقا بمعهد الفنون الجميلة عام ١٩٣٦ الذي لعب دورا أساسيا في الحياة الموسيقية و توجيهها في القرن العشرين اعتمادا على تثبيت ثنائية بين العالم غير العلمي للمقام وبين التوجهات الحديثة لمعاهد التدريس.

كانت الأسس المنهجية والبرامج التعليمية التي اعتمدها المعهد هي تلك التي سادت أيضا بين أوساط الطبقات الحاكمة وعند المثقفين والموسيقيين المحدثين في العراق ومصر وتركيا في تلك المنطقة, والتي تجلت بعض أوجهها في السجالات التي دارت في مؤتمر القاهرة ١٩٣٢ بين المحليين والموسيقيين الأوربيين (وثائق أعمال مؤتمر القاهرة ١٩٣٢)

تمت دعوة الشريف محي الدين حيدر ابن عم فيصل الأول ملك العراق من الاستانة لإدارة أول معهد موسيقي حكومي. فالشريف كان موسيقيا معروفا وعازفا بارعا على آلتي العود والجلو ومؤمنا بالدور الذي يجب أن تلعبه الموسيقى الأوربية في نهضة العالم العربي أو الإسلامي. ويمكن تلخيص أفكاره التي بني المعهد على أساسها, والتي كتبها في رده على مجموعة من الأسئلة التي كانت قد أرسلتها له وزارة المعارف العراقية لتستطلع رأيه في المنهج التعليمي الذي يريد تطبيقه, وفي شروط قبول الطلبة وفي احتياجاته قبل وصوله إلى بغداد بما يلي: لا يقبل المعهد إلا خريجي الابتدائية كما انه لا يعتمد على مدرسين يجهلون الأصول العلمية للموسيقى, يقوم المعهد بتدريس آلات ونظريات الموسيقى الغربية إضافة إلى درس العود العملي اعتمادا على النوتة (حبيب ظاهر العباس , ١٩٩٤ وح.قوجمان , ١٠٤: ١٩٧٨). ولم تدخل النظريات الشرقية إلى المعهد إلا لاحقا.

كان الشريف شأن موسيقيي جيله من المثقفين يؤمن بان الموسيقى الشرقية والمحلية تحتاج إلى جهود من أجل ترقيتها. ولان الموسيقى المحلية تعتمد, كما كان يعتقد, على عنصري اللحن والإيقاع دون الهارموني أو حتى الفورم فأنها لا يمكن أن تفي بالغرض المطلوب منها للترقية. والنموذج الذي يجب تتبعه هو ذلك الذي ظهر عند مؤلفي المدارس القومية في أوربا الذين اعتمدوا على ألحان محلية لبناء صروح كلاسيكية مهمة. ومن هذا المنطلق المفاهيمي وضع برنامج تدريس يعتمد على الموسيقى العالمية بنظرياتها وآلاتها أملا بأن النشء الذي سيدرسها "سيبني بناءا عظيما لموسيقى قومية" تعتمد على الألحان المحلية. (حبيب ظاهر العباس, ١٩٩٤)

وبما أن الشريف كان مقتنعا أن أي خير لا يمكن أن يتوقعه المرء من موسيقيين أميين (موسيقيا) فمن الواضح أنه لا مكانة أطلاقا للموسيقى الفنية العراقية المحلية في المعهد المذكور لأنها شفهية, غير قابلة للتدوين ولا يعتمد تدريسها وفق منهج مكتوب. بطبيعة الحال لم يكن هذا الإطار الذي أصبح نموذجا مرجعيا مناسبا لتدريس المقام العراقي.

وفي عام ١٩٣٦ عبر الشريف عن رأيه فيما يجب أن تبثه الإذاعة العراقية من موسيقى محلية قائلا "لا يجوز إعطاء المجال لأعضاء الجوق الموسيقي [التابع للإذاعة] بالعزف منفردا لمدة طويلة كالتقاسيم المطولة المملة. أما إذا كانت هناك حاجة للعزف الانفرادي فلا بأس بذلك على أن لا يتجاوز الوقت بضعة دقائق" (حبيب ظاهر العباس, ١٩٩٤:١٣). وقد حاول بعض موسيقيي الإذاعة من التعاون مع الشريف لتدوين المقام بالنوطة الموسيقية وبعد بضعة تجارب ترك الشريف الأمر لأنه اكتشف أن كل أداء يختلف عن الآخر الأمر الذي يمنع تدوين المقام١٠

الا أن سفر الموسيقيين اليهود الذين تخصصوا في العزف على الآلات المصاحبة للمقام المكونة لفرقة الجالغي البغدادي عام ١٩٥١ أثار قلقا كبيرا في أوساط محبي المقام من الأرستقراطية العراقية وصناع القرار السياسي. ويعود الفضل إلى نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك وكان من كبار المولعين بالمقام إلى الطلب من الموسيقيين اليهود نقل تقنيات العزف لآلتي الجوزة والسنطور إلى الحاج هاشم الرجب وِشعوبي إبراهيم قبل سفرهم, بعد أن حثهم على عدم ترك العراق (مقابلة مع الحاج هاشم ١٩٩٣). ويبدو أن دور محبي المقام من الأرستقراطية البغدادية كان فاعلا في إقناع مسؤولي المعهد بضرورة تدريس الآلتين. وهكذا دخلت آلتي السنطور والجوزة في المعهد عام ١٩٥٧ ولمدة سنة واحدة كما جاء. ولعل اختلاف المقاربة بين أساليب التدريس الشفهية التقليدية والمكتوبة كان عاملا برز للواجهة لم يكن في صالح تدريس الآلات العراقية.

في أواخر ستينيات القرن الماضي وضع الشيخ جلال الحنفي إمام جامع الخلفاء (١٩١٤ - ٢٠٠٦) وبعض المختصين من الأجيال القديمة الحريصين على تواتر تقاليد مدينة بغداد مشروعا لتأسيس معهد آخر أسماه معهد الدراسات النغمية العراقي الذي يركز على تدريس التراث العراقي وفق الأساليب التقليدية المتبعة والتي تعتمد على دعوة الأساتذة الكبار لنقل معرفتهم للأجيال الشابة (مقابلة مع الشيخ جلال ٢٠٠١). اصطدم هذا المشروع قبل افتتاحه بعقبة الأفكار السائدة عند الموسيقيين وأصحاب القرار الذين كانوا يعتبرون موضوع ألامية في الموسيقى من المواضيع الحساسة التي يصعب قبولها. وهكذا تم الانطلاق مجددا من تجربة معهد الفنون الجميلة في المزج بين تدريس الآلات العربية ونظريات الموسيقى الغربية بالإضافة إلى درس تعليم قراءة المقام والعزف على آلاته.

اتسمت مرحلة السبعينات بالتجريب وأحيانا بالضياع في البحث عن هوية تمثل الجديد. ولعدم وضوح المنهجية التي يجب أن يعتمد عليها التدريس تم الاعتماد على نماذج ونظريات متعددة أريد التوفيق بينها ويظهر بعض منها في الأمثلة التالية: لعدم وجود عدد كاف من العراقيين بمستطاعهم تدريس الآلات المصاحبة للمقام اعتمادا على التدوين والمناهج المكتوبة تم استقدام أساتذة لتدريس الجوزة والسنطور من طاجيكستان, ثم تم استيراد آلات سنطور من هنغاريا اعتقادا بأنه قد يكون أكثر جودة من السنطور العراقي إلا أن السنطور الهنغاري لم يستعمل لحسن الحظ. وفي مواضيع معينة تمت الاستعاضة بخبرة المؤدين العراقيين بأساتذة من تونس الخ. ثم ألغيت بعض هذه التجارب في حين ترك بعضها الآخر بصمات سارية في مصاحبة المقام عند بعض خريجي المعهد.

منحت السياسة التعليمية الجديدة الموسيقيين الذين درسوا وفق التعليم الرسمي المنهجي ثقة غير محدودة بصواب اختياراتهم والشعور بتفوقها. وقد دفع مبدأ رفض ألامية الموسيقية الذي ساد, إلى الاستعلاء على كبار مؤدي القرن العشرين الذين ورثوا المقام العراقي وفق الأسلوب التقليدي. وفي درس تعليم المقام الذي كنت اتابعه أحيانا في المعهد غالبا ما كان يتم انتقاد المصطلحات التقليدية التي يستخدمها مؤدو المقام التقليديين التي كانت تفسر على أنها غير دقيقة بل حتى خاطئة حتى جرت الاستعاضة عن بعض هذه المصطلحات وأعيد تصحيح قسم منها اعتمادا على المفاهيم النظرية. وقد كان وما زال هذا الاستعلاء شائعا بدرجة كبيرة تدعمه فكرة عدم حصول المؤدين التقليديين على شهادة أكاديمية. وهكذا لم يدع أيا من كبار قراء المقام التقليديين لتدريس المقام في المعهد كما انه لم يجر إلا نادرا اختيارهم لتمثيل العراق في المهرجانات والمحافل الدولية إذ كان يعتقد بعدم جدارتهم لتمثيل العراق لأسباب موسيقية أدائية واجتماعية. وبهذا فإنهم في نظر المحدثين كانوا أقل شأنا من خريجي المعاهد الذين أصبحوا الواجهة الرسمية لتمثيل التراث العراقي في الخارج.

كانت جماعة المقام التقليدي تشعر بتراكم مجموعة من العوامل المناوئة للمقام منها ذلك الانحياز الفعلي للمؤسسات الحديثة ودعم الأشكال الجديدة على حساب التقاليد المحلية الكبيرة وهو دعم أعتمد بصورة واضحة على أفكار التحديث الذي كان في الواقع تغريبا. كان العالم التقليدي, وريث مرحلة ما قبل الحداثة ومعه محبو المقام الجدد يدافعون عن الحفاظ على كلاسيكية هذا النوع الموجه إلى جمهور خبير في تراكيب المقام وتفاصيل الأداء وتقنياته, بينما توجه العالم الحديث بمؤسساته, بمثقفيه وبموسيقييه المتعلمين إلى مخاطبة قاعدة عريضة من الطبقات الصاعدة التي لا صلة حميمة لها بتقاليدها ولا معرفة بتفاصيل المقام. وانسحبت هذه المواقف المتباينة, كما سبق, على تشخيص مكانة المقام العراقي, ارتباطه بالحضارات الإسلامية, أهمية دوره كممارسة اجتماعية إضافة إلى بنيته وجماليته.

ورغم وجود تداخلات وتفاعلات بين الطرفين على الصعيد الفردي نجم تمثيل يبدو في ظاهره ثنائيا و متوترا للمقام أدى في واقع الحال إلى ظهور نماذج أدائية تختلف بين التزامها بأداء المقامات على الطريقة التقليدية وبين التطرف في حرية أدائه حد تغيير معالمه إلى درجة يمكن فيها تغير مسيرته التركيبية الشكلية وملامحه الخصوصية.

المقام في الحياة التقليدية

أن الاعتقادات والممارسات السائدة في الحيز الحديث لم تلغ أداء المقام من قبل قراءه التقليديين والهواة ومن ضمنهم اكبر قارئين لتلك الفترة محمد القبانجي (١٩٠١ - ١٩٨٩) ويوسف عمر (١٩١٨ - ١٩٨٧) إنما دفعته من مركز صدارة الحياة الموسيقية للانزواء في أطرافها حيث استمر أداؤه في البيوت وفي طقوس المولد النبوي ومحافل الذكر القادري التي يشكل المقام عمودها الفقري كما أن كبار القراء الذين كانوا أحياء كانوا يلبون دعوات شخصية من الجاليات العراقية التي تعيش في بلدان متعددة والتي كانت تدعو مغن معين على حسابها. كذلك كانت ترد أحيانا دعوات إلى أقسام في وزارة الثقافة والأعلام غير القسم المختص بالموسيقى يرشح فيها إرسال فرق المقام التقليدي

كانت الإذاعة العراقية, وفيما بعدها زمنيا التلفزيون, المعقل الرسمي الذي يجمع بين الثقافة التقليدية التي تخاطب العراقيين وبين الأنواع الجديدة حيث يبث كليهما. بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان المقام يبث في برامج إذاعية وتلفزيونية أسبوعية موجهة لمحبي المقام قبل أن تلغي هذه البرامج في نهاية الثمانينيات بعد حملة إعلامية ضد المقام قامت بها أحدى الإذاعيات المسئولات عن إذاعة ف.م وهي الإذاعة التي تخصصت في بث ألاغاني الغربية الشائعة استجوبت فيها بعض مشاهدي التلفزيون من الشباب عن رأيهم بالبرنامج. وعلى أثر بعض الإجابات السلبية الغي البرنامج.

والواقع إن الإذاعة والتلفزيون رغم التوجه العام الذي اختط لهما لبث أنواع متعددة من الموسيقى المحلية والقومية بل الأنواع كافة فأن كلا المؤسستين كان معرضا للتأثر بالمفاهيم السائدة عند الموسيقيين المتعلمين. وعلى سبيل المثال لعب انتشار الاعتقاد بضرورة معرفة النوتة وقراءتها في السبعينات دوره في الضغط على الإذاعة لمنع الموسيقيون "المكفوفين" الذين يعتمدون على السماع من العزف في التلفزيون.

في الثمانينات كان الحصن القوي والباقي الذي كان يحمي هذا التراث في صيغته الدنيوية ويوفر له إمكانية الاستمرارية يتمثل بحفلات البيوت وبالأداء في مقهى المقام. كانت حفلات البيوت مستمرة حتى وضعت حرب ١٩٩١ حدا لها. فبعد تدمير البنية التحتية للمجتمع العراقي وما تبعها حصار اقتصادي خانق لعب دورا أساسيا في تفكيك النسيج الاجتماعي. تعرض العالم التقليدي للمقام لاهتزاز كبير عندما نزعت عن الطبقات المتمكنة والوسطى إمكانياتها الاقتصادية والتي أدت إلى اضمحلال تقاليد حفلات البيوت حتى انعدمت بصورة شبه كلية ولم يبق إلا القليل من الرعاة الذين استمروا في تنظيم الحفلات. وهكذا تم وضع حد لاستمرارية الدعم التاريخي الذي كانت تضطلع به الطبقات المتمكنة ماديا ومعنويا.

وكذلك تعرض الأداء في المكان العام الوحيد والمفتوح لكافة محبي هذا النوع الموسيقي وهو مقهى المقام الذي كان هواة يجتمعون فيه كل مساء كل جمعة إلى كثير من التزعزع نتيجة للحرب ذاتها وللحصار الذي تبعها. كان معظم المؤدين في المقهى من الهواة الذين يعملون في وظائف الدولة الذين تأثروا بفقدان وظائفهم عند انهيار اقتصاد الدولة الأمر الذي أوصل الكثير منهم إلى درجة كبيرة من الفقر. وكان هذا الوضع باعثا إلى اعتذار عدد منهم عن متابعة المجئ إذ أن المقابل المادي الذي يمنحه المقهى للموسيقى كان على أية حال رمزيا. أما المستمعون المواظبون من محبي المقام في المقهى فهم وأن كانوا من مختلف طبقات الشعب فأن الكثير منهم من كان أصحاب الحرف والتجار الذين يعملون في الأسواق المحيطة بالمقهى. وقد درج هؤلاء على الاستماع إلى تسجيلات المقام أثناء عملهم اليومي يتبادلونها مع أقرانهم ثم يتناقشون حولها إذ كان ارتباطهم بالمقام وحاجتهم إليه واضحة.

كان المقهى مع كل الصعوبات التي واجهها الحيز الاجتماعي الدنيوي الوحيد الذي يمكن فيه الاستماع الحي والمباشر للمقام الذي كان هدفا يبحث عنه محبي المقام وما يولد من تفاعل آني بينه وبين المؤدين يكون باعثا مهما على إثارة مشاعر الوجد والشجن والحنين التي يعبر عنها بالكلمة وبالإيماء كجزء من عملية السماع. ومن تمكن من ارتياد مقهى المقام في تلك الفترة وشهد ردود أفعال جماعة المقام يدرك عمق هذا التراث وقوة تأثيره النفسي والتطهيري الذي يتركه في حياة محبيه كما يدرك دوره في الربط بين النزعات الفردية وبين تماسك الجماعة١١

في الواقع يعود الفضل في استمرار أمسيات هواة المقام في المقهى في تلك الفترة العصيبة إلى تماسك أهل المقام والى تعاونهم في إيجاد حلول تغطي على حاجة المؤدين المادية والتي ساعدت على إدامة الأداء وان كانت تبدو في الوهلة الأولى صعبة القبول بحكم أخلاقية الإباء في أوساط المقام. ففي أحدى أمسيات المقام التي كنت حاضرة فيها في المقهى قام احد الحضور من محله ليضع شيئا من المال في جيب المؤدي. فما كان من الجمهور إلا أن صاح "لا هذه إهانة للمقام". وبمرور الزمن حدث توافق ضمني بين المستمعين والمؤدين فيها يعرف المستمع من يختار ليعطيه الهبة دون إحراج. كما ظهرت بادرة دعم أساسية من هواة المقام الكثيرين المنتشرين خارج العراق الذين باتوا يرسلون باستمرار مساعدات مادية كانت توزع بعد انتهاء أمسيات المقام كالجوائز. وإذ كانت تعتبر هذه المرحلة من أكثر المراحل التي أثرت على أداء التراث في سياقه الاجتماعي التقليدي فأنها في الوقت ذاته كشفت عن مقاومة أهل المقام للحفاظ على أدائه.

ثم جاء الاجتياح الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وما تبعه من نتائج انعكست على المجتمع منها ما أدى إلى التوقف النهائي لأداء المقام في المقهى في بغداد وبذلك انفصل المقام عن القاعدة الاجتماعية الفعلية التي يعتمد عليها محليا.

ومع الضربة المحكمة التي سددت إلى عالم المقام ومؤديه انتقل جزء من أداء هذا الصنف الموسيقي من ورثته التقليدين المتخصصين إلى خريجي المعاهد الموسيقية الذين تركوا العراق بحثا عن عمل في موجتين: في المرة الأولى على أثر حرب ١٩٩١ وما تبعها من حصار وفي المرة الثانية نتيجة للاجتياح الأمريكي عام ٢٠٠٣ تاركين أهل المقام التقليديين في الداخل. إن انتماء خريجي المعاهد إلى نمط الحياة الموسيقية الجديدة المفتوحة وتكيفهم السهل مع أي سياق ومكان ساعدهم على أداء صيغ وأنواع موسيقية متعددة تجمع بين التقليدي والخفيف. وكانت حصيلة هذه المرحلة ظهور نماذج متعددة من المقام تعتمد معظمها ولا سيما تلك التي تؤدى في الخارج على درجة عالية من الحرية تصل أحيانا إلى تفكيك البنية.

فهل يعني هذا أن المقام انتهى أم انه بصدد التغيير؟

إن وجود بعض القراء القابعين في بيوتهم في بغداد وآخرين في الخارج إضافة إلى موسيقيين شباب يعملون خارج العراق والذين دفعتهم الظروف للرجوع إلى المقام والى التسجيلات القديمة ربما يفتح آفاقا جديدة يسترجع فيها المقام بعض مكانته. وتمسكا بمقولة جان دورينك المختص في موسيقى آسيا الوسطى وإيران في "أن حركة العولمة لابد أن تؤدي في نهاية المطاف إلى حركة معاكسة" وقد ينطبق هذا على المقام العراقي.

ختاما يمكن القول أن المقام مر بمراحل كان فيها في النصف الأول من القرن الماضي النوع الأساسي في الثقافة الحضرية حتى تحول المشهد الموسيقي تدريجيا إلى مشهد يسعى إلى نشر ديمقراطية التعليم ضمن اطروحات العلمية وفوقيتها والتي تزامنت مع انتشار التوجه الموسيقى المتأثر بالموسيقى الغربية وإلى ظهور أشكال متعددة من أداء المقام تختلف في قيمتها.

وفي المرحلة التي أعقبت الاجتياح الأمريكي اختفى المقام بصيغته الدنيوية من الحيز العام للمدينة وبدأ يبرز خطاب جديد لا نعرف مدى عمقه أو أهميته يتساءل عن الأصول الطائفية للمقام وهو خطاب أريد له التوغل في المجتمع العراقي ليفككه كما تفكك عالم المقام في الوقت الحاضر في الداخل قاطعا الصلة بقاعدته الاجتماعية التي كان يرتكز عليها لعقود طويلة. مع هذا فان محبي المقام ما زالوا كثيرين في داخل العراق وفي خارجه منتشرين في بقاع مختلفة من العالم وموجودين أينما توجد الجاليات المهاجرة.




الھوامش
١- ھذا المقال ھو مختصر لفصل أوسع ما زال في قید التحریر
٢- مقابلة مع داخل أحمد عران, عبدالكریم ينیان, محمد زكي ونزیھ محسن في ١٩٩٥ بمناسبة قدوم فرقة الجالغي البغدادي الى باریس مع قارئ المقام حسین الاعظمي بدعوة من معھد العالم العربي
٣- في الأوساط التقلیدیة كان وما زال یطلق على مغني المقام بالقارئ. وقد یرجع ذلك إلى الطبیعة المزدوجة لحیز المقام الذي یغطي العالمین الدیني والدنیوي. إلا أن بعض القراء الجدد یفضلون استخدام كلمة المغني لتقدیم أنفسھم. وھكذا أصبحت كلمة المغني تستخدم بموازاة القارئ.
٤- اقتبست ھذا التعبیر من الشیخ جلال الحنفي (انظر مقدمة في الموسیقى العربیة)
٥- Scheherazade Hassan, in print
٦- یرد عند الشیخ جلال الحنفي في كتابھ "المغنون البغدادیون والمقام العراقي" (١٩٦٤) بان آخر من غنى المقام في المقھى ھو رشید القندرجي المتوفى عام ١٩٤٥. یعم الاعتقاد أن آخر مرة قرء فیھا المقام في المقھى كان عام ١٩٤٢ انقطع بعدھا ھذا التقلید إلى أوائل سبعینیات القرن الماضي
٧- نقلا عن الأستاذ باسم حنا بطرس كان عام ١٩٥٧ ھو العام الذي تم فیھ تدریس ھاتین الآلتین في المعھد
٨- FREYA STARK : Baghdad sketches. First edition 1937
٩- كان أداء المقام في ألاماكن العمومیة مثل خان مرجان ومقھى المقام من الفعالیات التابعة لبلدیة المدینة بینما تأسست بیوت المقام بایعاز من دائرة الفنون الموسیقیة. ( مقابلة مع طھ غریب ٢٠٠٧)
١٠- في تلك الفترة كان الاختلاف في اداءات القطعة الواحدة یعتبر من الأمور السلبیة
١١- في أواخر الثمانینیات تأسس مقھى المقام في إحدى الدور البغدادیة القدیمة الذي كانت تؤدى فیھ المقامات. كما كان یؤدى المقام في خان مرجان في أمسیات موسیقیة نظمت للسواح والبغدادیین على حد سواء. ولابد من ذكر بیت المقام الذي كان حصرا على قراء المقام فیھ یتناقلون تعلم غنائھ (سیرد ذكر دور ھذه المنابر في أبحاث قادمة (مقابلة مع طھ غریب ٢٠٠٧)

المصادر ذات الصلة بموضوع البحث
ثامر العامري
1990 المقام العراقي. دار الشؤون الثقافية العامة.وزارة الثقافة والإعلام. بغداد.
جلال الحنفي (الشيخ)
1964 المغنون البغداديون والمقام العراقي. السلسلة الثقافية. وزارة الإرشاد. بغداد
مقدمة في الموسيقى العربية. بغداد ( الثمانينيات)
حبيب ظاهر العباس
1994 الشريف محي الدين حيدر وتلامذته : دراسة , مدونات, تحليل. وزارة الثقافة والإعلام. دائرة الفنون الموسيقية. بغداد.
حمودي الوردي
1964 الغناء العراقي. طبع بمناسبة انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية في بغداد بتاريخ 1964,11,28 مطبعة أسعد, بغداد
شهرزاد حسن
2004 "الموسيقى العربية الكلاسيكية ومكانتها في المجتمع العربي المعاصر". في مجلة الف :مجلة البلاغة المقارنة. عدد 24 "حفريات الأدب:اقتفاء اثر القديم في الجديد. الجامعة الأمريكية.القاهرة
عبد الكريم العلاف
1969 قيان بغداد في العصر العباسي والعثماني الاخير. مطبعة التمدن, بغداد.
علي الوردي
1972 لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. جزء 3. مطبعة الشعب. بغداد.
ح. قوجمان
1990 الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق. أكت للتراجم العربية. لندن.
هاشم الرجب (الحاج)
1961 المقام العراقي. مطبعة المعارف.بغداد. الطبعة الاولى
1983 المقام العراقي. منشورات مكتبة المثنى. مطبعة الارشاد. الطبعة الثانية.
Hassan, Scheherazade
In print The art Music of Iraq: A space of inclusiveness. In: 1/3 International Journal of Contemporary Iraqi Studies. Intellect Books. Great Britain.
1934
Recueil des Travaux du Congrès de Musique Arabe du Caire 1932. Le Caire. Imprimerie Nationale, Boulac.
Stark, Freya
1937 Baghdad sketches. 1rst edition. London.

*

The traditional art Music of Iraq
A Major Genre Threatened

Abstract

Scheherazade Q. Hassan

The aim of this presentation is to trace the development of traditional music and the changes it has undergone throughout the 20th century in Baghdad up to today’s tragic situation, where music performances have almost ceased in a dying city and in a collapsing country.

Baghdad, a city that bore witness to a prestigious historical past, was, beginning in the second decade of the last century, at the centre of modern political, social and musical interactions.

In the pre-modern period, the city’s musical culture consisted of what could be classified as two large areas of inherited traditional expressions, sometimes united in performance. There was the complex and comprehensive art repertoire of the Iraqi maqam, based on erudition interrelated with theoretical texts and represented as canonical forms of both secular and religious domains. Parallel to that, there were many different regional genres --vocal and instrumental-- of purely oral tradition. Both survived the century.

After the fall of the Ottoman Empire, Iraq opened to the Middle Eastern Arab world and to Europe, turning its back on the Islamic non Arabic world. The city gradually witnessed its capacity to create, adopt and integrate new local, Arab and foreign genres. New models of “modern music” with debates around them were produced under the Iraqi modern nationstate.

The advent of 78 r.m.p records and gramophones, the new teaching institutions, both private and governmental, the creation of the State Radio Station and its ensembles, the emergence of new musical trends resulting from the encounter between Western and Ottoman music, and the increasing importance of Western music, were all part of the musical scene by the mid-20th century.

From the 1970s onward, the increasing role of State patronage, a certain centralisation of decisions, narratives inspired by historical references and a stance supporting modernity and a certain idea of tradition, dominated musical activities inside the country and abroad.

In this panorama of dynamic musical activities what was the place reserved for traditional performances of the art genre the Iraqi maqam? And why was this music was overlooked by modernists and institutions that preferred to celebrate new genres?

This sophisticated art music, suffering from the misunderstanding of modern institutions, from the collapse of traditional patrons following from the post-1991 war, was only supported by its traditional audience and a reduced audience of knowledgeable connoisseurs.

It is against this backdrop of developments and responsibilities that the fate of this music, now cringing in suffocating conditions in a city struggling for its survival, will be reviewed.

Today with a situation that has dramatically worsened, we can legitimately ask “Is this genre on its way to extinction”?

Comments

  1. My brother recommended I would possibly like this website.
    He was once totally right. This put up actually made
    my day. You can not believe just how a lot time I had spent for this
    information! Thanks!

    ReplyDelete
  2. Does your site have a contact page? I'm having a tough time locating it but,
    I'd like to send you an e-mail. I've got some
    ideas for your blog you might be interested in hearing.
    Either way, great website and I look forward to seeing
    it expand over time.

    ReplyDelete
  3. Hey just wanted to give you a quick heads up. The text in your post seem to
    be running off the screen in Opera. I'm not sure if this
    is a formatting issue or something to do
    with web browser compatibility but I thought I'd post to let
    you know. The layout look great though! Hope you get the issue solved soon. Many thanks

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular Posts ~ مقالات سابقة