Related Posts with Thumbnails

Thursday, March 8, 2018

علاقة اليهود العراقيين بالموسيقى العراقية

حسقيل قوجمان




(كلمة القيت في كونفرنس حول الجاليات اليهودية في البلدان العربية عقد في جامعة لندن يومي ٢٣ و ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٠)

هذا المؤتمر مكرّس لمناقشة جوانب مختلفة من حياة الجاليات اليهودية في العراق وبقية الأقطار العربية. لذلك، لن أتحدث عن الموسيقى كما أفعل عادة، بل سأتحدث عن علاقة الجالية اليهودية العراقية بالموسيقى العراقية. وهذا الموضوع يختلف في العراق عن حياة أية جالية يهودية أخرى في أي بلد عربي أخر.

في كل مكان وحيثما كانت هناك جالية يهودية كان هناك موسيقيون يهود كبار. هناك عدد كبير من الأسماء الموسيقية اليهودية الكبيرة في مختلف أنحاء العالم. سآخذ الموسيقيين اليهود في مصر كأنموذج. كان هناك موسيقيان يهوديان كبيران في مصر، وهما داوود حسني وزكي مراد، والد ليلى مراد ومنير مراد. كان داوود حسني، على سبيل المثال، هو الموسيقي الذي لحّن، في الأقل، تسع أغنيات لأم كلثوم؛ وكان الملحن الوحيد الذي لحّن أغنية للموسيقي العربي الأكبر محمد عبد الوهاب. كما لحّن أيضًا لمطربين آخرين مثل إسمهان. وكان هو الشخص الذي إقترح عليها الاسم الموسيقي إسمهان. غير أن هذين الموسيقيَّينْ كانا إثنين بين عشرات الموسيقيين الكبار مثل سلامة حجازي، أبو العلا، سيد درويش، زكريا أحمد، سامي شوا، أمين مهدي، محمد القصبجي وعشرات الموسيقيين الآخرين.

الموقف في العراق كان مختلفًا. في العراق، وخلال النصف الأول من القرن العشرين، كان كل الموسيقيين الذين يعزفون على آلات موسيقية يهودا؛ وكان هناك العديد من المطربين والملحنين اليهود الكبار. في الحقيقة كان الملحن الأكبر للموسيقى الحديثة في تلك الحقبة هو صالح الكويتي الذي لحّن معظم الأغاني للمطربات أمثال سليمة باشا، زكية جورج، نرجس شوقي، عفيفة إسكندر وأخريات. وكان هناك ملحنون يهود آخرون مثل داوود الكويتي، سليم داوود، سليم زبلي، داوود أكرم، يعقوب العماري، عزرا هارون وآخرون. بإختصار، في الاذاعة، وفي كل الملاهي الليلية في بغداد، كان هناك إثنان فقط من العازفين على آلات موسيقية من غير اليهود، وهما حسين عبدالله، عازف الايقاع في فرقة الإذاعة، وعازف العود في فرقة سليمة باشا والذي كان يُدعى صليبا القطريب، وهو سوري.

في الموسيقى التقليدية الخاصة في العراق والتي تُدعى المقام العراقي، لم يكن هناك أي عازف موسيقي معروف من غير اليهود. كل العازفين على آلتي المقام الموسيقيتين وهما الجوزة والسنطور كانوا يهودا. الموسيقى التقليدية للمقام العراقي هي مجموعة من الأغانٍي سبق تلحينها، وقد لُحنّت وفق قواعد خاصة، وتغنى من قبل كل قراء المقام العراقي. الآلتان الوتريتان اللتان أُستعمِلتا لمرافقة هذا الغناء هما (الجوزة) وهي الة وترية شبيهة بالكمان يبنى صندوق صوتها من قشر جوزة الهند و (السنطور) وهو نوع خاص من الالات الوترية. وحينما أرادت الحكومة العراقية أن تشترك في المؤتمر العالمي الأول للموسيقى العربية عام ١٩٣٢ بالقاهرة كان عليها أن ترسل عازفين يهود لا يعرفون حتى كيفية إرتداء بذلة أو حذاء. وكان الشخص الوحيد غير اليهودي في الفرقة هو مطرب المقام الكبير محمد القبانجي. هذا المقام التقليدي لم يكن معروفا في بقية الأقطار العربية أو حتى لعلماء لدى الموسيقيين المستشرقين الأوروبيين. لذلك، كان مفاجأة بالنسبة لهم، وأعتبرت فرقتهم الفرقة الموسيقية الأفضل في المؤتمر.


الآن يتعيّن على المرء أن يسأل:- ما الأسباب التي جعلت كل العازفين الموسيقيين يهودا؟

بعض الناس، خصوصًا في إسرائيل، يعتقدون أن السبب هو أن هذه الموسيقي كانت موسيقى يهودية. أنا أعتقد أن هذه الفكرة لا أساس لها من الصحة. ولو كانت هذه الموسيقى يهودية لكان عليها أن تهاجر مع الجالية اليهودية وتصبح تقليدًا موسيقيًا متطورًا في إسرائيل حيث يتواجد الموسيقيون. لعب الموسيقيون العراقيون الدور الأعظم في الموسيقى الشرقية في إسرائيل. وأغلب أعضاء فرقة الأوركسترا الشرقية في الاذاعة الإسرائيلية هم من العراقيين. غير أن هذه الموسيقى لم تتطور، بل بالعكس تدهورت هناك. الموسيقي الذي مات لم يترك موسيقيًا جديدًا بعده. في هذه الأيام، لم يبق من الموسيقين القدماء سوى موسيقيين تجاوزوا الثمانين عامًا يمكن عدهم على الأصابع. قلة من الموسيقيين الشباب مولعون في الموسيقى العراقية اليوم. غير أن هؤلاء الموسيقيين يتعلمون الموسيقى العراقية كموسيقى أجنبية، بالضبط مثلما يتعلم موسيقي عراقي الموسيقى الكلاسيكية أو الموسيقى الصينية.

إن تسمية الموسيقى التي عُزفت من قبل الموسيقيين اليهود موسيقى يهودية إنما تقلل من دور الموسيقيين اليهود في العراق. إنها تجعل من هؤلاء الموسيقيين موسيقيين لمائة وعشرين ألف مواطن، بينما كانوا في الحقيقة موسيقيين لكل الملايين من الشعب العراقي.

ربما يستطيع المرء أن يقول بأن الأسباب تكمن في المواهب الموسيقية الخاصة لليهود. هذا السبب أيضًا ليس حقيقيًا في رايي. أولا، أن معظم قراء المقام الكبار ليسوا يهودا. كان هناك عدة قراء يهود للمقام العراقي أمثال يوسف حورش، سلمان موشي، سليم شبث، حسقيل قصّاب، غير أن هناك أعظم قراء المقام مثل أحمد زيدان، رشيد القندرجي، نجم الشيخلي، محمد القبانجي وآخرون كثر. وفضلا عن ذلك، بعد هجرة اليهود، يوجد الآن مئات من الموسيقيين الكبار في العراق. إذًا، فالقضية ليست قضية مواهب يهودية خاصة.

يبدو لي أن السبب الأكثر أهمية هو أن العوائل المسلمة كانت لا تسمح لأطفالها أن يعزفوا على الآلات الموسيقية، لانهم يعتبرون عزف الموسيقى ضربًا من المهن الوضيعة، لكنهم تعاملوا مع الغناء من جهة علاقته بقراءة القرآن، ولهذا السبب احترموا المطربين. كان معظم مطربي المقام العراقي مجودين للقرآن في الوقت ذاته.

لو أن المرء يستطيع أن يتحدث عن موسيقى يهودية أو موسيقى إسلامية فإنه يستطيع أن يتحدث عن الموسيقى الدينية. مثل هذه الموسيقى تستعمل فقط في مناسبات دينية. هناك أسماء كبيرة لقرّاء القرآن في كل الأقطار العربية وفي العراق طبعًا. حزانون (مصلون امام الجماعة) كبار معروفون لدى اليهود في العراق وفي كل مكان. إعتاد زكي مراد أن يذهب في (عيد الغفران) من كل سنة الى أورشليم كحزان. غير أن كلا من الموسيقى الدينية الاسلامية واليهودية قائمتان على نفس قواعد موسيقى المقام. إنهم يستعملون قواعد المقام مع كلمات دينية. أغلب المطربين اليهود تقريبًا في كلا الموسيقتين التقليديتين إعتادوا أن يكونوا مساعدي حزانين خلال صلوات اليهود في عيد راس السنة العبرية وعيد الغفران.

لدي شريط مسجل طويل لاحسن حزان عراقي في إسرائيل شلومو معلم. وقد نجحت بمساعدة كلية SOAS
أن أنقله الى خمسة أقراص مدمجة. أعطيتُ نسخة منها الى قارئ المقام الكبير حامد السعدي الذي إستمع إليها، وحلل كل قطعة منها الى مقامه الخاص، وأخذ معه الأقراص المدمجة الى العراق على الرغم من أن كل الأغاني الدينية وغير الدينية تقريبًا كانت باللغة العبرية.

كانت الجالية اليهودية في العراق تشكِّل جزءًا لا يتجزأ من المجتمع العراقي. وقد شاركوا في كل مناحي الحياة في المجتمع. كان هناك يهود طيبون، ويهود سيئون. كان هناك مستغِلون ومُستغلَون، أغنياء وفقراء. كان هناك كُتّاب، شعراء، صحفيون، محامون، أطباء، رجال مال، سياسيون، وحتى جزء من الطبقة الحاكمة. كان هناك أشخاص إقتدوا بالشيوخ الاقطاعيين، وكانوا يملكون أراضٍ زراعية واسعة، وفلاحين يهود وغير يهود يعملون لديهم. أفضل أنواع الرز العنبر كان يسمّى بإسم عائلة يهودية تدعى (Khalaschy). وحتى في الجيش كان هناك بعض الضباط المشهورين، غير أن الدور الأكثر أهمية كان قد لعبه الموسيقيون. كل العراقيين أحبوا الموسيقى وإستمتعوا بالإصغاء الى الموسيقيين اليهود. لا يشعر المرء بأي تمييز بين اليهود والمسلمين أو المسيحيين في حقل الموسيقى. في الموسيقى تشعر بالأخوة الحقيقية لكل الناس. كان موسيقيو المقام العراقي عادة يُدعون الى منازل الوزراء، والأعيان، والعوائل الاسلامية الغنية. ولا يشعر المرء بالانحياز ضد أو مع اليهود في حقل الموسيقى.

في أثناء الهجرة ترك اليهود فراغا كبيرا في الحقل الموسيقي في العراق. في البداية كان على الحكومة أن تستعير موسيقيين من أقطار عربية أخرى. وقبل هجرة عازفي المقام العراقي صالح شمّيل، عازف الجوزة، ويوسف بتوّ، عازف السنطور ألزمهما نوري السعيد بتعليم اثنين من الموسيقيين المسلمين العزف على آلتي المقام. تعلم قارئ المقام هاشم الرجب عزف السنطور، وتعلّم الموسيقي شعوبي إبراهيم عزف الجوزة. كان هذان الموسيقيان هما الاساس في تعليم الطلبة الجدد العزف على هاتين الآلتين الموسيقيتين. اليوم، هناك العشرات، إن لم نقل المئات من عازفي آلتي المقام. موسيقى المقام هي تقليد موسيقي عراقي وستبقى هكذا طالما بقي الشعب العراقي.

ولكن ما مصير الموسيقيين اليهود الذين هاجروا الى إسرائيل؟ كان في العراق عدد كافٍ من الموسيقيين يطرب الشعب العراقي كله. وفي إسرائيل أصبحوا موسيقيين لـ (120) ألف مواطن يتناقصون يوميًا بوصفهم هواة للموسيقى العراقية.

بعض الموسيقيين كانوا محظوظين بأن يشكِّلوا أوركسترا شرقية لراديو إسرائيل. كانت فرقة الأوركسترا تتكون من عشرين موسيقيًا أغلبهم، إن لم يكن كلهم عراقيون. عاش هؤلاء الموسيقيون القلائل حياة مرفهة كموسيقيين حتى أحيلوا على التقاعد. وبعدهم لم تكن هناك فرقة أوركسترا شرقية ثابتة لا في الراديو ولا في التلفزيون. أغلب هؤلاء الموسيقيين توفوا أو أصبحوا طاعنين في السن بحيث لا يستطيعون أن يلعبوا دورًا حقيقيًا كموسيقيين. استعرض أحد الأفلام موسيقيين عراقيين، لكنه لم يتحدث مع موسيقي عمره أقل من ثمانين عامًا. معظم الموسيقيين المشهورين الكبار المتبقين اليوم هم قلة قليلة جدًا مثل سليم زبلي الملقب سليم النور، إبراهام سلمان، إلياس شاشا، ألبير ألياس وآخرين قليلين جدًا. موسيقي شاب من أصل عراقي يدعى يائير دلال هو عازف كمان كلاسيكي سحرته الموسيقى الشرقية وتعلّم عزف العود فأصبح مشهورًا في إسرائيل.

مئات من الموسيقيين الآخرين لم يستطيعوا الحصول على قوتهم من الموسيقى. صالح الكويتي الذي إعتاد أن يتحدث بفخر عن الجائزة التي قدّمها له الملك غازي شخصيًا؛ ساعة ذهبية مطبوع عليها صورته؛ وقد دُعي من قبل أمير الكويت عن طريق سفيره في بغداد للعودة الى مسقط رأسه، لم يستطع أن يحصل على قوت يومه في إسرائيل من الموسيقى. استأجر هو وأخوه حانوتا لبيع أدوات المطبخ لتأمين عيشهما.

سليم داوود الموسيقار الكبير الذي يمكن مقارنته بصالح الكويتي والذي كان الملحّن الوحيد لسليمة باشا لمدة خمس سنوات؛ وحينما جاءت المطربة المصرية المشهورة رجاء عبدو الى العراق طلبت منه أن يذهب معها الى مصر كملحّن لها، وحين تشاجر مع عفيفة إسكندر ولم يتحدث معها طلبت من رئيس الوزراء أرشد العمري أن يقنعه كي يغفر لها ويتحدث اليها، اعتاش على التقاعد الحكومي المخصص للعميان في غرفة ونصف الغرفة في شقة تعيسة.

يعقوب العماري الذي كان عازفًا للناي في فرقة الاذاعة في العراق وأصبح قارئ مقام مشهور في إسرائيل كان عليه أن يعود الى مهنته الأصلية كصانع للأحذية لتأمين عيشه. مئير، عازف العود في فرقة إخوان الفن أصبح عاملا في بدالة تليفون. عشرات الطلاب من دار مؤاسات العميان كان عليهم أن يستعملوا المهن التي تعلموها في المدرسة لكي تنقذهم من الاستجداء مثل صناعة المكانس والحبال لكسب عيشهم.

مطرب المقاام العراقي الكبير حسقيل قصّاب وعازف القانون الشهير يوسف زعزور شكّلا فرقة موسيقية لامتاع العوائل العراقية التي أحبت موسيقى المقام حتى وفاتهما في نفس اليوم.

توفي صالح شمّيل، عازف الجوزة في مخيّم (المعبرة) الذي عاش فيه اليهود العراقيون لبضع سنوات. وأصيب يوسف بتّو، عازف السنطور، بالصمم ولم يستطع العزف هناك. كما توفي الاخوان بصون بعد مدة قصيرة في إسرائيل. حاول صالح الكويتي أن يعزف على الجوزة فلم ينجح. واليوم لا ذكر للجوزة أو السنطور في اسرائيل.

باختصار، اقتلع الموسيقيون العراقيون من جذورهم العراقية فأصبحوا مثل باقة ورد تحتفظ بعطرها وجمالها لمدة قصيرة، لكنها لا تستطيع أن تُنتج ورودًا جديدة.

No comments:

Post a Comment