Related Posts with Thumbnails

Thursday, April 30, 2009

مجالس الأنس و الطرب في بغداد القديمة

منقول من كتاب "بغداد القديمة" تأليف عبد الكريم العلاف



ما احلى ليالي الأنس و الطرب و إن كانت مقتصرة في بغداد يومذاك على السباحة في نهر دجلة بواسطه القوارب البلام (جمع بلم) لاسيما إذا كانت الليالي مقمرة و الذهاب الى الجزره الكاويريه و على الجلوس في مزارع الباقلاء (الباجله). و احسن مزارع الباقلاء هي ارض المميز و تقع في طريق الاعظمية و اصبحت الآن دورا و مدارس. و الجلوس في مزارع الباقلاء خاص بأناس تعودوا احتساء الخمر بها اذ تشاهدهم منبثين بها منتشرين في جوانبها و جلوسهم عصر كل يوم وقت العشاء، و لا تخلو هذه المجتمعات من غناء المقام العراقي و اغلبه مقام البهيرزاوي. و كثيرا ما كان المغني العراقي احمد زيدان(١) يجلس مع اصدقائه في هذه المزارع رافعا عقيرته يغني و الناس يستمعون اليه.


بغداد القديمة بعد الحرب العالميه الاولى و تبدو فيها البساتين التي تغطي جانبي الطريق الواصل بين باب المعظم و الاعظميه


المقام العراقي و المغنين:

المقامات العراقية تقسم الى خمسه فصول تغنى تباعا(٢) الفصل الاول يسمى فصل البيات و الثاني فصل الحجاز و الثالث فصل الرست و الرابع فصل النوى و الخامس فصل الحسيني:

اما الفصل الاول و هو فصل البيات يتكون من المقامات الآتية: بيات، ناري، طاهر، محمودي، سيكاه، مخالف، و حليلاوي.
الفصل الثاني و هو فصل الحجاز، يتكون من المقامات الآتية: حجاز ديوان، قوريات، عريبون عجم، عريبون عرب، ابراهيمي، و حديدي.
الفصل الثالث و هو فصل الرست، يتكوم من المقامات الآتية: رست، منصوري، حجاز آجغ، جبوري، خنابات، شرقي رست.
الفصل الرابع و هو فصل النوى، يتكون من المقامات الآتية: نوى. مسجين، عجم، صبا، راشدي، و مدمي.
الفصل الخامس و هو فصل الحسيني، و يتكون من المقامت الآتية: حسيني، دشت، ارواح، اوج، حكيمي، و بنجكاه.

هذه هي المقامات العراقية نثبتها ما عدا الشعب و البردات (٣) التي تدخل ضمن هذه المقامات ، و غير مستحسن ان تغنى على غير آلتي الجوزة و السنطور. و لا يغرب عن البال ان كثيرا من المغنين العراقيين اشتهروا بغناء المقامات العراقية اولهم شلتاغ و ابو حميد و قد نبغ بعدهما المغني احمد زيدان فكان نادرة زمانه. و عاصر المغني احمد زيدان مغنون كثيرون منهم خليل الملقب رباز و صالح ابو دمير و روبين رجوان و رحمين نفطار و حسن الشكرجي و ساسون زعرور و ابن الشيخ الليل و شماي و حسقيل بيبي و سيد جميل البغدادي.


آلات الجالغي البغدادي التقليديه: الحاج هاشم الرجب على السنطور و شعوبي ابراهيم الاعظمي على الجوزه


الجالغي البغدادي:

يتألف جالغي بغداد و هو الجوق الموسيقي البغدادي من فرقتين تحتوى على الجوزة و السنطور و الدف و الدنبك(٤).

الفرقة الاولى: و تشتغل ليلا في مقهى المميز في رأس الجسر القديم و قوامها كل من القارئ اي المغني المرحوم احمد زيدان و نسيم بصون عازف على الجوزة و شاؤول بصون عازف على السنطور و حسقيل شاؤول ضارب على الدف و شاؤول زنكي ضارب على الدنبك.


القارئ احمد زيدان في بدايات القرن العشرين

و الفرقة الثانية تشتغل عصر كل يوم في مقهى سبع بالميدان و قوامها كل من القارئ حسن الشكرجي مره و السيد جميل البغدادي مره اخرى، و صالح شميل عازف الجوزة و حوكي بتو عازف على السنطور و يوسف حمو ضارب على الدف و عبودي امعاطو ضارب على الدنبك.


جالغي الأسطه حوكي بتو في عشرينات القرن الماضي

و عندما يغني المغني تشاهد الجالسين و على رؤوسهم الطير و كلهم آذان صاغيه لاستماع ما يلقيه اولئك المغنون الذين حفظوا الحان الغناء بالروايات و التدريس الشفوي المستمر.

البستات البغدادية القديمة:

و لم تكن المقامات العراقية تغنى يومذاك و حدها في جالغي بغداد بل يتخللها اغاني البستات عند نهاية كل مقام يغنى، و كان يأبي القارئ ان يغني البسته مع المغنين. و من اشهر تلك الاغاني اغنية "ما دار حسنه ابشمر" و "لابس ضريبي" و "امسلم و لا امفارج هله" و "كمرة و ربيعة" و "لولا الشعر ينباع" و "يالزارع البزرنكَوش" و "حول خيال الشكَرة" و غيرها، و من الاغاني التركية اغنية "عربي فلاهي" اي فلاحي و اغنية "ذريه كدرسن يا بيك" بمعنى اين ذاهب يا بيك و غيرها و هذه الاغاني بادت و كأنها لم تكن.

رشيد القندرجي:


و بعد ممات اولِئك الذين كانوا يشنفون آذان المستمعين باغانيهم لم يمت المقام العراقي فقد فيض الله له من يعتزون به و يجيدون غناءه و منهم رشيد القندرجي، فقد كان حسن الاداء و من فطاحل المغنين المشهورين في بغداد الذين شهد لهم المقام العراقي. و اخذ رشيد القندرجي غناء المقام العراقي عن الاستاذ المرحوم احمد زيدان(٥) و قبض على زمام اصوله بيد من حديد فيستطيع ان يسمعك المقام العراقي من ألفه الى يائه بدون تكلف و يشهد له غناؤه المسجل بالاسطوانات الذي نسمعه بين الآونه و الاخرى و الذي سيبقى خالدا خلود الدهر، و توفي في شهر صفر سنة ١٣٦٤ هجريه يقابلها سنة ١٩٤٥ م.

يوسف حوريش:


و على ضوء كتابة هذه الاسطر يجب ان لا ننسى المغني يوسف حوريش الذي لم يجعل الغناء مهنة له إلا في ايامه الاخيرة و هو مغني مجيد اخذ الغناء عن احمد زيدان و عن روبين رجوان و اتقن اداءه حتى اصبح من المغنين المعدودين اشتهر بمقام واحد هو مقام الخنبات(٦) بعد ان سجله باسطوانة لاقت اقبالا عظيما عند هواه المقام العراقي. و من سوء حظه لم يرق له المقام في بغداد بل اسقط جنسيته العراقيه و ذهب مع من ذهب الى فلسطين و فيه يصح قول القائل:
ما زاد حوريش في الاسلام خردله * و لا النصارى لهم شغل بحوريش

نجم الشيخلي:


كان مغنيا جهوري الصوت و في اول امره انخرط مع زمره الشغالة في حفلات المنقبة النبوية الشريفة(٧) و قد اخذ يصول و يجول فيها مستعينا بصوته حتى اشتهر و بعد احتلال بغداد اعتلى كرسي الغناء في مقهى عزاوي بالميدان فكان الاقبال عليه منقطع النظير و حينما وردت ماكنة تسجيل الاسطوانات على الحاكي الى بغداد كان في طليعة من دعوا اليها و سجلت له اسطوانات عديدة لا زلنا نسمعها بين الآونة و الاخرى.

محمد القبانجي: 


لم تعرف بغداد في تاريخها الحديث و القديم مغنيا و مطربا كالمطرب الاستاذ محمد القبانجي. لقد حفلت سيرته بأعاجيب فنية و امتلأت حياته بمواقف موسيقية ملأ صداها الاندية فأرتفع بها الى مستوى فن المقام العراقي. كان الاستاذ القبانجي هبه من مواهب الفن و فرحه من فرحات الموسيقى الشرقية. لم يأخذ الاستاذ القبانجي الغناء العراقي عن احد كما قيل(٨) بل استولى عليه بفطرته الغنائية و ذكائه العراقي فكان مطربا بارعا و مغنيا فصيحا سمعته لأول مره فقلت : أشهد انك خاتم المغنين يا محمد.
 
البستات العراقية الحديثة:


لقد ظهرت اغان عديدة في بغداد و كانت لا تظهر الا بالمناسبات و منها في سنة ١٣٢٦هجريه يقابلها سنة ١٩١٨م ظهرت في مدينة الموصل اغنية "عالروزنة" و لرقة نغمها و حسن معانيها التي لا تخلو من عواطف الحب انتشرت في بغداد انتشارا عظيما و مناسبتها ان فتاة في الموصل كانت مخطوبه لأحد اقربائها و كانا يتبادلان الحب النزيه و يتحادثان بواسطة كوه صغيره في الجدار الذي يفصل بين داريهما، و اهل الموصل يعبرون عن الكوه بأسم "روزنه" و اهل بغداد "رازونه"، و لما علمت ام الفتاة ان ابنتها تتحادث مع خطيبها بواسطه تلك الكوه اغلقتها منعا للاتصال بينهما قبل عقد الزواج و لم تكتف الام بهذا العمل بل قالت "عالروزنه الروزنه كل البلا بيها" و على الفور اجابتها ابنتها "و اشعملت كَمتي سدتيها" و بهذا الكلمات اصبحت اغنية(٩).

و مثال تلك المناسبات ان بعض من تعود على احتساء الخمر و الجلوس في الحانات اي المايخانات لأن بغداد لم يكن فيها يومذاك فنادق و بارات كما هي اليوم و هذه المايخانات عبارة عن مواخير مظلمة لا يدخلها شمس و لا هواء و لهذه الحالة التعيسة قال بعض الجالسين لرفقائه و هو ثمل (سكران) اسمعوا يا جماعة:

فتح ورد الباجله * عيشة كدر و مذلة

و معنى كلامه ان وقت الربيع قد حل و ورد الباقلاء قد تفتح قوموا بنا لنذهب الى هناك و يريد بذلك مزارع الباقلاء فهذه المناسبة كانت هذه الاغنية.


و مناسبة اخرى ان شابا من اهل بغداد كان يذهب مع بعض اقاربه الى الجزرة الكاووريه و الجزرة تظهر في نهر دجلة بعد انخفاض الماء في الصيف و كان ذهاب الشاب الى الجزرة بعلم من صديق له و كثيرا ما كان صديقه يطلب منه ان يرافقه و الشاب لا يقبل فقال له صديقه يوما و هو يلاطفه:

يعجبني نزله وياك للكاووريه * تعطش و اشربك ماي بجفوف ايديه

و المعنى ظاهر فأصبحت اغنية و الناس يغنون بها.


و مناسبة اخرى ان فتاة زوجها اهلها بمن لا تهواه و كان صداقها بالعمله التركية "نوط" ورق في وقت كان هذا النوط في غايه التدهور و كانت الليرة الورق يومذاك تساوي ربع دينار فقالت الفتاة:

انا المسيجينه انا * انا المظيليمه انا
انا الباعوني هلي * بالنوط و الوعده سنة

اما الوعده سنة فقد كتب على النوط التركي بعد مرور سنة من انتهاء الحرب يعطى بدله ليرة ذهب.

و مناسبة اخرى ان فتاة كانت مخطوبه لابن عمها و كانا يتبادلان الحب و قد تعود ابن عمها عبور نهر دجله و الذهاب لمقابلتها و صادف أن فاض نهر دجلة كعادته في كل عام و انقطع الجسر و قد تعذر عليه عبور نهر دجله بواسطه القفف (جمع قفه) و دام ذلك الفيضان ايام فخرجت الفتاة تشاهد النهر و الفيضان على اشده فقالت:

ميك لحدر الساكَ يا شط عسنك * محرمني شوف هواي يالكلها منك

و المعنى ان الفتاة حينما شاهدت النهر و امواجه تتلاطم اخذت تدعي عليه على ان يكون ماءه منخفضا الى الكعبين.


و مناسبة اخرى في اول اعلان الحرب العالمية الاولى ان جنديا جاء ليودع اهله ليلتحق بالجيش المحارب فخاطبته ابنته و قالت:

يمسافر الله وياك اوكَف داحاجيك * خاف الفراكَ يطول ما بعد الاكَيك
يا يابه خذني وياك * مكَدر على فركَاك
تواعني جا وين الكَاك * روحي العزيزة تفداك

فصار كلامها اغنية و هكذا كانت تظهر الاغاني و تتلاشى الاغنية حتى تظهر غيرها.

--------------------

١- احمد حمادي زيدان (١٨٣٢-١٩١٢) ولد في محلة خان لاوند في بغداد و هو نابغة المقام العراقي الديني و الدنيوي في القرن التاسع عشر بعد اساتذته شلتاغ و ابو حمَيد و الحاج حمد النيار و امين آغا بن الحمامجيه، يعد المصدر الاول لفن للمقام العراقي الذي وصلنا اليوم على يد اتباعه من بعده و هم رشيد القندرجي، جميل البغدادي، يوسف حوريش، نجم الشيخلي، و عباس الشيخلي و غيرهم كثير. كان يمجد في جامع منوره خاتون و قارئا للاذكار القادرية في التكية القادرية الطالبانية في ساحة الميدان في بغداد. وسع و عدل الكثير من المقامات و ادخل فيها قطعا و اوصالا نظمها كما سجل العديد من المقامات على اسطوانات الحاكي في بداية القرن الماضي ضاع اكثرها و تلف ما تبقى منها.
٢- لا يوجد اجماع بين الباحثين و خبراء المقام على تسلسل و محتوى الفصول الخمسة التقليدية لأن اغلب مغني المقام في القرن الماضي قد تركوا الطريقة القديمة في الاداء و اختاروا المقامات التي يتمكنون من غناءها
٣- تعارف قارئو المقام على تسميتها بالقطع و الاوصال
٤- احيانا تضاف اليها آلة النقارة الإيقاعية
٥- كما اخذ المقام ايضا من روبين بن رجوان و انطوان بن بطرس و سلمان موشي
٦- اشتهر ايضا بطريقته المميزة في اداء مقام النوى
٧- كان ممجدا في الحضره القادرية في باب الشيخ ببغداد
٨- بل اخذه من والده عبد الرزاق القبنجي و من قدوري العيشه و السيد ولي بن حسين و الأسطه محمود الخياط
.٩- بل هي من وضع و الحان الموسيقار العراقي المتصوف الضرير الملا عثمان الموصلي

No comments:

Post a Comment