Related Posts with Thumbnails

Tuesday, October 2, 2012

ذكريات عن المقام العراقي واوائل القراء والعازفين - حسقيل فوجمان


مع ان الحديث مع حسقيل فوجمان ذو شجون وفيه الكثير من الطرافة والمتعة لانه يرتبط بفترة من تاريخ الموسيقى في العراق قل شهودها ولم تاخذ قسطا وافرا من البحث والتحليل، ولانه مشتبك بالكثير من الاحداث والاشخاص والمواقع في حواري بغداد وازقتها القديمة فهو يضيء ايضا جوانب كثيرة ويؤرخ لمفاصل مهمة في تاريخ الموسيقى العراقية وتاريخ العراق بشكل عام عرفها الرجل او كان شاهدا عليها او مساهما فيها، فقوجمان المولود في بغداد عام 1921 مؤرخ وباحث يحمل درجة الماجستير في الموسيقى العراقية اضافة لكونه عازفا ومؤلفا موسيقيا.

توجهنا اليه في داره في لندن حيث يقيم حاليا، وفي ما يتعلق بالموسيقى العراقية كانت اجاباته عن اسئلتنا كما يلي:

لم تكن الموسيقى العراقية في بداية القرن الحالي لتقف في موازاة الموسيقى المصرية حيث سيد درويش وسلامة حجازي لكن ما كان يميزها هو تفردها بما يسمى (الجالغي) الذي هو التخت او الفرقة، وبالمقام العراقي.

اما فرقة الجالغي فكانت تتالف من قارئ للمقام وآلتين وتريتين هما السنطور والجوزة بالاضافة الى الايقاع. ومن القراء المبكرين الذين سمعت عنهم كان احمد زيدان المتوفي عام 1912 وكان مؤذنا وقارئا للقرآن الكريم وسمعت صوته مسجلا على اسطوانة شمعية هي من اولى وسائل تسجيل الاصوات، ومن طريف ما سمعته عنه ان الشخص الذي اقنعه بقراءة المقام كان عازف جوزة مشهور انذاك يدعى نسيم بصون وكان مغرما بصوته ويذهب يوميا الى الجامع لسماعه وهو يؤذن.

كانت في بغداد في فترة العشرينات والثلاثينات فرقتان مشهورتان للجالغي هما فرقة (بصون) وفرقة (بتو) وكانتا تلتقيان في مقهى في منطقة الحيدرخانة في انتظار الدعوات للاعراس والمناسبات، وكان في امكان صاحب الدعوة ان يحدد المغني الذي يصاحب الفرقة، والطلب يزداد بشدة ايام شهر رمضان والوصلة الغنائية تبدأ عادة مساء وتستمر حتى الصباح وتدعى (الصباحية) حيث تنتهي بشرب طاسات من اللبن، كما كانت بعض المقاهي تقدم حفلات منتظمة للجالغي اسبوعية او نصف اسبوعية.

اما المقام العراقي فهو عبارة عن ريبرتوار او قطع غنائية ملحنة موضوعة مسبقا وغير قابلة للتغيير، وهي حوالي ست وتسعين قطعة غنائية او مقاماً، ومعظم ملحنيها معروف بالاسم وكان اخر العراقيين الذين وضعوا مقامات جديدة هو محمد القبانجي الذي اضاف خمسة مقامات هي الحجاز كاركرد والنهاوند واللامي والقطر والحويزاوي على ما اظن.

والمقام يغنى كما وضعه ملحنه الاصلي ويتناقله المغنون ويتعلمونه كما هو، ونحن عندما نقول (مقام رست) مثلا فاننا نشير الى شيء محدد مثلما نقول السمفونية التاسعة لبيتهوفن التي لا يمكن ان تؤدي بطريقة مختلفة عن الاصل، مع ان المقام يختلف كونه يتناقل شفهيا. لكن هناك سوء فهم حول كلمة (مقام) فهي تستعمل في البلدان العربية في موضع كلمة نغم، فيقال مقام صبا او حجاز بدلا من نغم صبا او حجاز، لكن الكلمة في العراق لا ترادف كلمة نغم فهي محددة بالمعنى الذي ذكرته، ومقام الصبا او الحجاز لا يغنى خارج العراق ولا يغنى بطريقة مختلفة داخل العراق، والنغم كما هو معروف سلم مثل (ميجر) في امكانك ان تلحن فيه عددا لا نهائيا من الاغنيات فمقام الرست مثلا هو من نغم الرست او سلم الرست ولا يمكن اداؤه بطريقة مختلفة.

لم يكن هناك الكثيرون ممن سمعوا وعرفوا المقام العراقي خارج العراق حتى عام 1932 عندما عقد مؤتمر القاهرة الموسيقي حيث ارسل العراق فرقة مقامات (جالغي) مكونة من القارئ محمد القبنجي وعازفي الجالغي التقليديين بالاضافة الى عازف قانون اضيف من اجل زيادة عدد اعضاء الفرقة وعازف العود لم يكن له دور اساسي في الاداء سوى انه كان يتولى مهمة الباس الفرقة (التي ترتدي عادة ملابس شعبية) زيا حديثا حيث طلب منه نوري السعيد (رئيس الوزراء العراقي انذاك) ان يغير ملابس الوفد وان يراقب تنفيذ ذلك في القاهرة باعتبار ان عازف العود نفسه كان - افندي – يلبس البنطلون والقميص والجاكيت ويضع ربطة عنق ويعتمر (سدارة).

وفي مؤتمر القاهرة ذاك سمع الموسيقيون العرب والجمهور والمستشرقون لاول مرة ما يدعى بالمقام العراقي الذي بهر الحضور واثار اعجابهم وحاز على الجائزة الاولى. والمقام العراقي يغنى عادة اما مع قصيدة او مع موال عراقي يسمى (زهيري) والمقام الموضوع لكي يغنى مع الزهيري لا يغنى مع قصيدة وبالعكس وفي الامكان اختيار اي قصيدة واي زهيري ليغنى مع المقام المقصود.

ويتألف المقام من ثلاثة اقسام، يدعى الاول بالتحرير او المقدمة وهو يؤدى من دون قصيدة او زهيري او من دون جمل كلامية وانما بكلمات صوتية معينة خاصة به مثل (امان) و(يادوست) وغيرها، وتنحصر فائدة هذا الجزء في تحضير الجمهور المغنى والتهيئة للسيطرة على اللحن، ثم تغنى القصيدة او الزهيري وهي الجزء الاساسي من المقام ، مع ملاحظة وجوب قطع الغناء بكلمات خاصة بين وقت واخر وفي اماكن محددة. بعد ذلك ينتقل المطرب الى القسم الثالث الذي هو التسليم الذي يشبه التحرير حيث يغنى بكلمات خاصة ، ولكل مقام كلمات معينة لختامه، فمقام (المنصوري) مثلا ينتهي بكلمات غير تلك التي ينتهي بها الابراهيمي، وهكذا.

كان المقام متعة الطبقة الغنية وكبار الموظفين والاعيان والتجار والوزراء الذين كانوا يستطيعون استئجار الفرق وحضور الحفلات، اما بقية الناس فكانت تستمتع بالمقام ايضا ولكن فرصها كانت اقل بالطبع، وذلك قبل انتشار الاسطوانة وظهور الاذاعة. ومع وجود قراء ممتازين للمقام انذاك لم يكن يوجد موسيقيون وعازفون في مستواهم والسبب كما اعتقد يعود الى ان الناس كانوا يحترمون المغني ويسمونه قارئا، لكنهم لم يكنوا في الدرجة نفسها الاحترام للموسيقى اذا لم يزدروه، لذلك لم يشجعوا اولادهم على تعلم العزف، ومما يذكره سلمان شكر عازف العود المشهور ان اهله لم يكونوا يمنعونه من العزف فقط بل كانوا يضربونه اذا سمعوه يعزف.

اما الغناء الشعبي فكان موجودا كما هو الان، وكان هناك مطربون كثيرون في الريف لم يجدوا وسيلة مناسبة لنشر اغانيهم سوى التداول في المضايف والمقاهي والبيوت وكان ابتعادهم عن بغداد يساهم في ذلك، وفي قلة حصتهم من التسجيل على الاسطوانة الذي بدأ في بغداد لاحقا، لكن المقام كان منتشرا في بغداد وفي بقية المدن والريف ايضا.

بعد تلك الفترة بدأ نوع اخر من الموسيقى بالظهور، ويمكن ان احدد فترة ظهوره بوصول صالح وداود الكويتي الى بغداد وهما عازفان وملحنان عراقيا الاصل كانا يعيشان في الكويت حيث ظهرت المغنيات اللواتي يؤدين الحانا غير الغناء الريفي وغير المقام، مثل سلطانة ابراهيم وهي ابنة قارئ مقام معروف وكانت سلطانة طفلة صغيرة ذات صوت عظيم الجمال تبيع الحلوى امام احد المقاهي في منطقة (حنون صغير) في بغداد وكانت تدعو لبضاعتها بالغناء عندما سمعها صاحب المقهى وقدمها لبعض المغنين ثم صارت مغنية مشهورة، كما ظهرت سليمة مراد ونظيمة ابراهيم وغيرهن.

وانتشرت في مختلف اماكن العراق فرق غناء نسائية كانت تدعى (الدقاقات) او (الملايات) وكانت الفرقة تتكون من عازفة نقارة وثلاثة ضاربات دف ومغنية، وكانت هذه الفرق تحيي المناسبات مثل ليلة الحنة والاعراس (لمن لا يستطيع دفع نفقات فرقة الجالغي) او المناسبات المقتصرة على النساء لانه لم يكن مسموحا للنساء بحضور حفلات يحييها فنانون رجال ومن اشهر مغنيات تلك الفرق (صديقة الملاية) وكانت على مستوى عال من اجادة الغناء، وخصوصا في المقام البهيرزاوي، وذاعت شهرتها وهي لا تزال صبية بعد، وذلك في الثلاثينات.

في اواخر العشرينات ظهرت الملاهي في بغداد وصار الغناء يقدم بانتظام كل ليلة، ومع تكرار غناء المقامات، على صعوبتها، والحاجة الى اصوات اكثر تنوعا وعددا ظهرت الحان جديدة اسرع واسهل من الاولى وبدأت بالانتشار بسرعة كبيرة واسس يوسف زعرور الكبير فرقة في مقهى في ساحة الميدان تعزف موسيقى مختلفة غير المقامات، كانت الفرقة تغني الموالات والقصائد ونالت شهرة واسعة وكانت عائلة زعرور تضع الحان الغناء الجديد بالاضافة الى صالح الكويتي واخيه داود، وبدأت مرحلة من التعاقد مع مطربين عرب للغناء في بغداد فوصلت المطربة نادرة عام 1935 وبعدها رجاء عبده ونرجس شوقي، لكن ام كلثوم كانت اول الواصلين عام 1932.

ومن ضمن من جاؤوا الى بغداد ايضا محمد عبد الوهاب الذي غادر قبل اكمال فترة التعاقد على اثر خلافات، وفي مجبثه الى بغداد سمع مقام اللامي واخذه ومع ان فنانين كبارا ادعوا انهم لقنوا عبد الوهاب اللحن امثال محمد القنبجي وداود وصالح الكويتي وغيرهم، لكن الحقيقة انه سمعه في بغداد واخذه من دون تاثير مباشر من اي من هؤلاء ، وبعد عودته الى مصر وضع لحنه الاول على المقام اللامي وهو (ياللي زرعت البرتقال).

في الامكان الاشارة الى ان الحدثين الاساسيين في تاريخ الموسيقى العراقية الحديثة كان تأسيس الاذاعة وتأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1936 حيث التحق بالاذاعة اشهر مغني المقام وصاروا يقدمون وصلاتهم حية على الهواء يوميا مثل سليم شبث وحسن خيوكه والقبنجي ويوسف عمر وغيرهم وكذلك بعض المغنيات مثل سليمة مراد وزكية جورج وعفيفة اسكندر ونرجس شوقي، ومن الموسيقيين شريف محيي الدين العازف المشهور وواضع الطريقة المعروفة باسمه في العزف حيث كان يقدم نصف ساعة من العزف الحي يوميا، كما التحقت بالاذاعة فرق كانت تأسست قبل ذلك مثل فرقة اخوان الفن وفرقة انصار الفن، بالاضافة الى عدد من المغنين الريفيين. وبعد ذلك بسنوات التحق الخريجون الاوائل من معهد الفنون الجميلة مثل منير بشير واخيه جميل وسلمان شكر، وكان يغني في الاذاعة ايضا بعض مقلدي الاصوات مثل مجيد جدوع الذي كان يقلد محمد عبد الوهاب.

ومع ان ظهور الاذاعة كان السبب الاساسي في النهضة الموسيقية في العراق لما يعنيه من تشجيع ذوي المواهب على العمل الموسيقي المنظم ويعيطهم الدخل الثابت، والانتشار الواسع للاغاني والموسيقى، الا انني لا اعتبر سنة 1936 بداية لظهور الموسيقى الجديدة فقد سبقها عمل منظم آخر ثم على ايدي صالح وداود الكويتي حيث اسسها داراً لتعليم العود تجاه جامع مرجان في بغداد، كما اسس عازف العود الحلبي يوسف حبيب صفا لتعليم العزف على العود قبل ظهور الاذاعة.

 عن جريدة الحياة*  

No comments:

Post a Comment