Related Posts with Thumbnails

Friday, March 16, 2018

الجالغي البغدادي - دراسة نظرية

مهيمن إبراهيم الجزراوي
ماجستير علوم موسيقية
كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد



لقد أشار حسين قدوري في موسوعته الموسيقية إلى أن الجالغي تعني جماعة الطرب أو طاقم الموسيقى ، ويبدو أن لفظة (جالغي) في نظر البغداديين كانت تعني حفلة غنائية تقام في الأماسي وفي مناسبات الأفراح ، والأعراس ، والختان وغيرها. زيادة على أن الجالغي البغدادي ، هي فرقة موسيقية صغيرة كانت وما تزال ترافق قراء المقام وتتألف من عازفي الآلات الموسيقية التالية: (السنطور – الجوزة – الطبلة – الرق – النقارة)

ويفترض بعازفي هذه الآلات أن يجيدوا العزف عليها مع معرفة جيدة بالمقام العراقي وأصوله لأن مهمتهم كانت تتعدى العزف على هذه الآلات إلى ترديد البستات التي تغنى في ختام المقام(1 ، ص104).

أما الحنفي فيذكر لنا في كتابه (المغنون البغداديون والمقام العراقي) أن الجالغي البغدادي هو حفلة تقام ليلاً بمناسبة من مناسبات الأفراح كعرس أو نحوه ، ويقوم قارئ المقام بقراءة جمهرة كبيرة من المقامات إلى وقت متأخر من الليل.وكان يقام الجالغي أيضاً في المقاهي ، وليالي شهر رمضان المبارك حيث يقرأ قارئ المقام سلسلة من المقامات بجميع فصولها بحسب نسق معّين(2 ، ص23).
ويوافق هذا الرأي حسين علي محفوظ فيقول أن الجالغي البغدادي هو مجلس الغناء في بغداد(3 ، ص168).

يذكر لنا العامري أن كلمة (جالغي) بمعنى (حفلة) وكان الجالغي البغدادي يتألف من آلة السنطور والجوزة والدف والطبلة وعادة ما تقدم حفلاته في ليالي الأعراس في بيوت الوجهاء إلى ساعة متأخرة من الليل. أما في ليالي رمضان فتكون حفلات الجالغي البغدادي في أيام شهر رمضان في المقاهي البغدادية ، والجالغي في الشهر المبارك تختلف تقاليده عن التقاليد التي يمارسها في الأعراس وماشاكلها(4 ، ص47).

أما العلاف فيشر إلى أن الجالغي بالجيم الفارسية المثلثة هي كلمة تركية وأصل التركيب (جالغي طاقمي) أي جماعة الملاهي ، ويتألف الجالغي في بغداد من قارئ أي أستاذ في الغناء وعازفين على كل من آلة السنطور ، والجوزة ، والدف ، والدنبك (أي الطبلة أو كما يسميها المصريين – الدربكة –). وفي ختام كل مقام ينشد المغنون وهم الذين يعزفون على هذه الآلات (البستة) أي أغنية تكون موافقة للمقام الذي يغنيه المغني(5 ، ص169).
كما يؤيد هذا الرأي الأمير بقوله أن (الجالغي) كلمة معناها (العزف)(6 ، ص82). وفي موضع آخر يذكر أنها كلمة تركية الأصل وأسمها الكامل (جالغي طاقمي) أي الفرقة الموسيقية(6 ، ص71).

زيادةً على ما تقدم فأن كل من الرجب(7 ، ص173) ، وصبحي أنور رشيد(8 ، ص9) لهم الرأي نفسه بقولهم لقد تعارف الناس على تسمية الفرقة الموسيقية الصغيرة التي ترافق غناء المقام العراقي بـ(جالغي بغداد) وكلمة جالغي تركية الأصل ترجع إلى التعبير المركب من (جالغي طقميسي) الذي يعني جماعة الملاهي ، وتتألف آلات الفرقة الموسيقية من الآلات التالية:-
1. السنطور.
2. الجوزة ، أو الكمنجة ، أو (الكمانة البغدادية).
3. الطبلة ، أو الدنبك.
4. الرق ، أو الدف الزنجاري.
5. النقارة.
أما إحسان شاكر فيرى أن أصل كلمة جالغي هو (جهار آلغي) أي الآلات الأربعة أو الأصوات الأربعة أو قد يكون بحسب تتبع المصدر اللغوي (جالغي) تعني آلات الضرب وما يضرب به كالسنطور ، والآلات الإيقاعية(9 ، ص65). ويرى العلاف أنه من غير المستحسن أن تغنى المقامات العراقية والأغاني المرافقة لها على غير آلتي السنطور والجوزة (10 ، ص108).

كان قارئ المقام وأفراد فرقة الجالغي البغدادي يجلسون في المقهى على محل مرتفع يشبه المسرح ، وكان يتألف من عدد من التخوت تُصفّ مع بعضها ، ويوضع فوقها ألواح خشبية حيث يجلسون فوقها على شكل نصف دائرة (11 ، ص35). والتخوت مفردها التخت وهي من اللغة التركية وتعني قطعة خشب تعلو قليلاً عن الأرض) (19 ، ص608). ولا يصح أن يقف المغني ويتفاعل مع الأداء بصورة تعبيرية فكانت تعد عيباً وتقليلاً من هيبة المقام والمؤدي معاً، ويأتي ذلك من منطلق أن المقام هو رجولة ، وقوة ، وشموخ (12 ، ص44). زيادة على ذلك كان لجلوس قارئ المقام بالقرب من أفراد فرقة الجالغي يتيح له الاستماع إلى ملاحظاتهم التي يهمسون بها في أذنيه لفرط قربه منهم (13 ، ص34).

أما في البيوت البغدادية إذ تقام حفلات الجالغي من أعراس ، أو ختان ، أو مواليد فقد كان قارئ المقام فيها يتوسط الحفل ويجلس على مقعد يشبه المنبر وعلى جانبيه تجلس فرقة الجالغي البغدادي (11 ، ص33). وكان أول من غنى في بغداد واقفاً هو قارئ المقام محمد القبانجي(13 ، ص33). كما كان القبانجي من أوائل القراء الذين أدوا البستة إذ كان قراء المقام لا يؤدون الأغنية المرافقة للمقام (البستة) ، وذلك ترفعاً وسمواً لاعتقادهم أن المقام يمثل الرجولة والقوة ، أما البستة فتمثل الخفة والنعومة وهي أقل من مستواهم الفني لذلك كانوا يتركونها لتغنى من قبل (البستجي) ، أو لجماعة من المنشدين تجلس خلف فرقة الجالغي يطلق عليهم (البستجيه) ، أو تؤدى من قبل أفراد فرقة الجالغي البغدادي(14). والبستجي لفظ يطلق على من يغني البستات وليس أهلاً لغناء المقامات (20 ، ص82). وكان مؤدي الأغاني المرافقة للمقام العراقي يطلق عليه (بستة كار) وهو ناظم البستات ، أو مرتبها ، وفي بغداد يسمى (البستجي) بالجيم المثلثة(21 ، ص27).

أما في جنوب العراق فيطلقون عليه بـ(البسّات)، ويجمعونها (بسّاته) نسبة إلى كلمة البستة (22 ، ص32).



ومما تقدم يتضح للباحث أن الجالغي البغدادي ، أو (جالغي بغداد) هو ما يطلقه البغداديون على:-
أ. الفرقة الموسيقية الصغيرة المصاحبة لغناء المقام العراقي والأغاني المرافقة لها وتسمى (فرقة الجالغي البغدادي) والتي غالباً ما تتألف من أربعة عازفين على الآلات الموسيقية التراثية التالية:-

آلة السنطور:-
وهي من الآلات الموسيقية الوترية النقرية ، وبالعزف على هذه الآلة يصدر منها الصوت متقطعاً ، ويرى الباحث أن العازف على هذه الآلة دائماً ما يكون هو رئيس ، أو قائد فرقة الجالغي البغدادي، وذلك ما استشفه الباحث من خلال قراءاته في المصادر والمراجع التاريخية عن العازفين المصاحبين للمقام العراقي إذغالباً ما تنسب هذه المصادر قيادة فرقة الجالغي البغدادي إلى عازف آلة السنطور فيها.


آلة الجوزة ، أو الكمنجة ، أو (الكمانة البغدادية):-
وهي من الآلات الموسيقية الوترية القوسية ، وبالعزف على هذه الآلة يصدر منها الصوت ممتداً.

آلة الدنبك، أو الطبلة:-
وهي من الآلات الإيقاعيةالمصاحبة لفرقة الجالغي البغدادي.

آلة الرق ، أو الدف الزنجاري ، أو الديرزان:-
وهي من الآلات الإيقاعية المصاحبة لفرقة الجالغي البغدادي.

وكانت تضاف أحياناً آلة موسيقية إيقاعية أخرى إلى فرقة الجالغي البغدادي وهي آلة النقارة ، وقد تركت هذه الآلة ، وأصبحت فرقة الجالغي البغدادي تتألف من أربع آلات فقط(7 ، ص40).

ب. الحفلة الغنائية التي تقيمها فرقة الجالغي البغدادي بمرافقة قراء المقام العراقي في المناسبات العامة والخاصة.

ج. جماعة العازفين في فرقة الجالغي البغدادي.

ولأفراد الجالغي البغدادي دور مهم في المرافقة الموسيقية لقارئ المقام إضافة إلى دورهم في أداء وغناء البستة المرافقة للمقام ، لذلك يجب أن تتوفر فيهم الخبرة والمعرفة في أصول المقام العراقي وقواعده ، وأن يكونوا من العازفين الجيدين ، ويفترض فيهم الإلمام بمعرفة المقامات ، وتسلسل أركانها ، وقطعها ، وأوصالها لأنهم يقومون بأدائها عزفاً على آلاتهم الموسيقية حيث أن هناك بعض أركان المقام ، وقطعه ، وأوصاله التي يجب على العازفين الدخول بها أولاً قبل قارئ المقام إضافة إلى عزفهم أنغاماً كثيرة ومتنوعة بين قطعة وأخرى من المقام(8 ، ص10). وكان أغلب العازفين على آلات الجالغي البغدادي هم من المحترفين اليهود كبار السن ، أو من أعمار متقدمة ، ومن المتمرسين في العزف الذين يتقنون فنون المقام العراقي ويتجاوبون مع القارئ في غنائه كما يتجاوب قارئ المقام مع عزفهم ويشيد بهم ، وبأسمائهم علانية خلال أداء وصلته الغنائية ، والأمثلة كثيرة في الاسطوانات التي سجلها رواد المقام الأوائل(15 ، ص28).

ولليهود العراقيين دور مهم في رفد الجالغي البغدادي بالعازفين منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وحتى عام 1951م حيث هاجروا إلى فلسطين. وكانت مهنة العزف على الآلات الموسيقية في فرقة الجالغي البغدادي من المهن والحرف التي تحتكرها بعض العوائل اليهودية المحترفة في هذا المجال ، حيث يتوارث الأبناء مهنة آبائهم وهذا ما كان معروف سابقاً في العصور التاريخية القديمة كما يشير إلى ذلك صبحي أنور رشيد فيقول مهنة الموسيقي كانت في العراق القديم من المهن الفنية التي كان الأبناء يتوارثونها عن الآباء(16 ، ص76). ومن أشهر العوائل اليهودية التي عملت في مجال الجالغي البغدادي هي عائلة بتو وعائلة بصون ، أما أشهر فرق الجالغي البغدادي المعروفة في بغداد في ذلك الوقت هي:-

فرقة جالغي حوكي بتو:- وتتألف من:
عازف آلة السنطور ورئيس فرقة الجالغي :- حوكي بتو بن صالح بتو بن رحمين (بغداد 1848م-1933م) ، وعند مشاركة الوفد العراقي في مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932م لم يستطيع السفر إلى القاهرة بسبب عمره الكبير فقد جعل أبنه يوسف بتو يذهب بدلاً عنه ويأخذ مكانه(17 ، ص78).
عازف آلة الجوزة:-
ناحوم بن يونه الدرزي بن ناحوم ، ولد في بغداد عام 1877م ، وقد كان أيضاً بستجي وملأ جملة اسطوانات بمختلف البستات البغدادية(2 ، ص104).
عازف آلة الـرق:- يوسف حمو.
عازف آلة الطبلة:- عبودي أمعاطو (10 ، ص109).



فرقة جالغي يوسف بتو:- وتتألف من:
عازف آلة السنطور ورئيس فرقة الجالغي :- يوسف بتو بن حوكي بتو بن صالح بن رحمين (ولد في بغداد عام 1886م-1975م) ، وقد شارك مع الوفد العراقي في مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932م بدلاً عن والده حوكي بتو(12 ، ص29).
عازف آلة الجوزة:- صالح بن شُمّيل بن صالح بن شمولي (ولد في بغداد عام 1890م-1960م).
عازف آلة الـرق:- خضوري بن صالح بابو بن حسقيل (ولد في بغداد عام 1896م)(2 ، ص56).
عازف آلة الطبلة:-
يهودا بن موشي بنيامين بن شماش (ولد في بغداد عام 1885م)(2 ، ص109).



فرقة جالغي شاؤول بصون:- وتتألف من:
عازف آلة السنطور ورئيس فرقة الجالغي :- شاؤول بصون بن دواد بصون(10 ، ص109).
عازف آلة الجوزة:- نسيم بصّون (بغداد 1840م-1921م)(7 ، ص182).
عازف آلة الـرق:- حسقيل شاؤول(10 ، ص109).
عازف آلة الطبلة:-
هارون زنكي بن روبين بن بقجي بن زنكي (ولد في بغداد عام 1844م)(7 ، ص186).

فرقة جالغي سلمان بصون:- وتتألف من:
عازف آلة السنطور ورئيس فرقة الجالغي :- سلمان بصون بن شاؤول بصون بن دواد بصون (بغداد 1900م-1950م)(2 ، ص73).
عازف آلة الجوزة:- افرايم بن شاؤول بصّون (ولد في بغداد عام 1898م)(7 ، ص183).
عازف آلة الـرق:- حسقيل بن صيّون بن يعقوب (ولد في بغداد عام 1895م)(2 ، ص49).
عازف آلة الطبلة:- شاؤول زنكي بن هارون زنكي بن روبين بن بقجي (ولد في بغداد عام 1890م)(2 ، ص76).

فرقة جالغي حسقيل شمولي: وهي من أشهر وأقدم فرق الجالغي البغدادي التي كانت معروفة في بغداد ، ذلك الوقت ، وتتألف من:
عازف آلة السنطور ورئيس فرقة الجالغي: - حسقيل شمولي عزره (بغداد 1804م - بغداد 1894م)(2 ،ص48).
عازف آلة الجوزة:- لطفي رزيّج المندلاوي (مجهول تاريخ المولد والوفاة).
عازف آلة الرق:- حسقيل شوته مئير(بغداد 1840م - بغداد 1917م).
عازف آلة الطبلة:- هارون زنكي روبين بقجي زنكي (ولد في بغداد عام 1843م).

أما الفرقة الموسيقية التي رافقت القبانجي للمشاركة في مؤتمر الموسيقى العربية الأول المنعقد في القاهرة عام 1932م كانت تتألف من(12 ، ص29) :-
1- عازف آلة السنطور:- يوسف بتو (ولد في بغداد عام 1886م-1975م).
2- عازف آلة الجوزة:- صالح شُمّيل (ولد في بغداد عام 1890م-1960م).
3- عازف آلة الرق:- إبراهيم صالح (مجهول تاريخ الميلاد والوفاة).
4- عازف آلة الطبلة:- يهودا موشي شماش (ولد في بغداد عام 1889م).
5- عازف آلة العود:- عزرا أهارون عزوري (ولد في بغداد عام 1900م-1975م).
6- عازف آلة القانون:- يوسف زعرور (بغداد 1897م-1943م).


وقد كان في بغداد العديد من الجالغيات الأخرى مثل فرقة جالغي خضر ابن طماشة (بغداد 1832م-1909م) (2 ،ص56) ، وفرقة جالغي شُمّيل صالح شمولي (بغداد 1837م-1914م) (7 ، ص177) ، وغيرها من الجالغيات التي كانت معروفة في بغداد آنذاك.

ومن ذلك يرى الباحث أن فرق الجالغي البغدادي المذكورة سابقاً قد رافقت أغلب قراء المقام الكبار في عصرهم ، ورافقوهم في المقاهي ، والمناسبات العامة ، والخاصة من خلال أدائهم للبستات ، والعزف ، والمصاحبة الموسيقية منذ بداية التسجيل على الاسطوانات ، أو السفر إلى خارج القطر ، ومرافقة القبانجي في تسجيل الاسطوانات ، أو للمشاركة في المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقد في القاهرة عام 1932م ، أو مشاركتهم في الحفلات الإذاعية المباشرة التي كانت تبث من إذاعة بغداد منذ تأسيسها عام 1936م. ومما لاشك فيه أنه كان لهم الدور الكبير ، والبارز ، والمساهمة الفعالة في تبلور ، وصياغة المقامات ، والبستات البغدادية القديمة ، ووصولها إلينا بهذا الشكل. ومن المعروف تاريخياً أن العازفين اليهود تعلموا العزف على آلات الجالغي البغدادي على يد المسلمين وأخذوها عنهم كما يشير إلى ذلك الحنفي فيقول (مما لاحظته من أمر المواسقة والآلاتية في بغداد الذين عرفوا واشتهروا بالعزف على الجالغي البغدادي في القرن التاسع عشر الميلادي كانوا من المسلمين جميعاً ثم تراجعوا عن ذلك إلى اليهود) (2 ، ص7).

وكذلك الحال بالنسبة لصناعة هذه الآلات حيث تعلم اليهود العراقيون كيفية صناعتها وألموا بكل جوانبها الفنية حتى أصبحت حكراً لهم ، وفي أربعينيات القرن العشرين وما قبلها لم تكن في بغداد إلا محلات قليلة متخصصة في صنع آلات الموسيقى المحلية وتقتصر على بعض المحترفين وبعضهم من الهواة في صناعتها الذين احتكروا تلك الصناعة ومنهم بعض اليهود والأجانب المقيمين في بغداد(18 ، ص99).

ولم تدخل آلات الجالغي البغدادي في مناهج التدريس حتى عند افتتاح معهد الموسيقى عام 1936م في بغداد ، ولم تتأسس ورشة فنية لتقوم بتعليم صناعة هذه الآلات على وفق مناهج ، وأسس علمية ، فقد كانت تدرس في المعهد فقط الآلات الأجنبية مثل البيانو ، والجلو ، والكمان ، وبعض الآلات الهوائية ، والعود ، أما آلة السنطور ، وآلة الجوزة فكانت من الآلات التراثية التقليدية التي لم تدرس على وفق مناهج علمية موسيقية في المعاهد الفنية الموسيقية إلا في عام 1971م في معهد الدراسات النغمية العراقية (معهد الدراسات الموسيقية حالياً)التابع لدائرة الفنون الموسيقية في وزارة الثقافة (12 ، ص48).

ويبدو لي أن العازفين اليهود احتكروا مهنة العزف على آلات الجالغي البغدادي ، وطريقة صنعها ، وأساليب العزف عليها كونها أصبحت مهنة عائلية اعتمدوا عليها في كسب رزقهم بعدّها تدر مورداً مادياً جيداً لهذه العوائل فأصبحت سراً من أسرار المهنة لا يسمح بالإطلاع عليه من قبل الغرباء وإنما قاموا بتعليمها فقط لأبنائهم ليحافظوا على مكانتهم ، كما يعترف بذلك اليهود أنفسهم إذ يقول ي.قوجمان أنه تميّز هذا الوسط الموسيقي ببعض الأنانية إذ إن هؤلاء الموسيقيين بخلو عادةً في نقل معلوماتهم إلى الآخرين رغبةً منهم بالاحتفاظ بسر المهنة لهم ولعوائلهم(17 ، ص65).

وقد كان لهذا الاحتكار نتائج واضحة ظهرت بشكل ملموس بعد هجرة اليهود إلى فلسطين عام 1951م حيث كانت فترة عصيبة موسيقياً في بغداد ، وهذا ما يشير إليه السماك بقوله في أواخر الأربعينيات وبعد هجرة اليهود إلى فلسطين حدثت شبه أزمة فنية بالنسبة للعازفين في الجالغي البغدادي ، لولا تدارك بعض الشباب العراقيين الفنانين في هذا المضمار فأعادوا لهذه الموسيقى رونقها ، واصالتها كما رفدوها بآلات العزف القليلة المتيسرة في ذلك الحين بعد غياب العازفين اليهود السابقين مع آلاتهم (15 ، ص28).

ومن الجدير بالذكر أن لعازف آلة السنطور الحاج هاشم الرجب (بغداد 1921م-2003م) ، وعازف آلة الجوزة شعوبي إبراهيم (بغداد 1925م-1991م) ، وعازف آلة الإيقاع حسين عبد الله (الموصل 1905م-1982م) يعود الفضل الأكبر في المحافظة على المقام العراقي ، وفي إحياء الجالغي البغدادي بعد سفر العازفين اليهود إلى فلسطين وإسقاط الجنسية العراقية عنهم (7 ، ص192).

ويذكر لنا عبد الحميد العلوجي أنه منذ أواخر الخمسينات وحتى يومنا هذا يحاول الكيان الصهيوني انتحال الفولكلور الغنائي العراقي وموسيقاه دونما سَنَدٍ أو حجّة مقبولة ، وقد اعتاد أن يعرضه في دول أوربا الرأسمالية ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بوصفه تراثاً إسرائيلياً. كما اعتاد في إذاعته العبرية تقديم ألوان من الغناء العراقي بوصفها أغنيات إسرائيلية ، وكان هذا ديدنه في أغلب المهرجانات والندوات الفولكلورية التي يشارك فيها(19 ، ص466).

هذا بالرغم من اعتراف اليهود أنفسهم بأنها موسيقى عراقية وأنها ليست موسيقى يهودية أو إسرائيلية كما جاء ذلك في كتاب (الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق) لمؤلفه اليهودي ي. قوجمان إذ يقول إن ثمة من المتفائلين من يزعم أو يفاخر بأنه طور وما زال يطور الموسيقى العراقية في إسرائيل ويأمل في المزيد من تطورها في المستقبل. يبدو لي أن هذا الرأي مغالٍ في تفاؤله ، أو عاجز عن رؤية الواقع. أعتقد أن الموسيقى العراقية في إسرائيل لا مستقبل لها وأن الموجود منها في الوقت الحاضر ليس إلا استمرار لما سبق للموسيقيين أن اكتسبوه في العراق واستلهموه من الشعب العراقي. إن الموسيقى العراقية في إسرائيل لا مستقبل لها لأنها موسيقى عراقية ، لأنها ليست موسيقى يهودية ، لأنها ليست موسيقى إسرائيلية (17 ، ص133).

المصادر والمراجع:-

1. حسين قدوري. الموسوعة الموسيقية ، بغداد ، شركة المنصور للطباعة المحدودة ، 1987م.
2. الحنفي ، جلال. المغنون البغداديون والمقام العراقي ، وزارة الإرشاد ، السلسلة الثقافية الثانية ، بغداد ، مطبعة الحكومة ، 1964م.
3. حسين علي محفوظ. قاموس الموسيقى العربية ، بغداد ، دار الحرية للطباعة ، 1977م.
4. العامري ، ثامر عبد الحسن. الغناء العراقي ، ط1 ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1988م.
5. العلاف ، عبد الكريم. الطرب عند العرب ، ط2 ، بغداد ، مطبعة أسعد ، 1963م.
6. الأمير ، سالم حسين. الموسيقى والغناء في بلاد الرافدين ، ط1 ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1999م.
7. الرجب ، هاشم محمد. المقام العراقي ، ط1 ، بغداد ، مطبعة المعارف ، 1961م.
8. صبحي أنور رشيد. الآلات الموسيقية المصاحبة للمقام العراقي ، بغداد ، مطبعة العمال المركزية ، 1989م.
9. إحسان شاكر محسن زلزلة. المقام العراقي دراسة تحليلية مقارنة بغداد وكركوك والموصل ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة بغداد ، كلية الفنون الجميلة ، قسم الفنون الموسيقية ، 2000م ، نقلا عن رأي قارئ المقام العراقي طه غريب.
10. العلاف ، عبد الكريم. بغداد القديمة ، ط2 ، بيروت ، الدار العربية للموسوعات ، 1999م.
11. الوردي ، حمودي. الغناء العراقي ، جـ1 ، ط1 ، صدر بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي للموسيقى العربية ، بغداد ، مطبعة أسعد ، 1964م.
12. فراس ياسين جاسم. محمد القبانجي دوره وأثره في المقام العراقي ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة بغداد ، كلية الفنون الجميلة ، قسم الفنون الموسيقية ، 2002م.
13. الحنفي ، جلال. مقدمة في الموسيقى العربية ، بغداد ، دار الحرية للطباعة ، 1989م.
14. موفق عبد الهادي البياتي. مقابلة شخصية أجراها الباحث في معهد الدراسات الموسيقية بتاريخ 20/10/2003م.
15. السماك ، مهدي عبد الأمير. مذكرات وخواطر طبيب بغدادي ، جـ1 ، ط1 ، وزارة الثقافة ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 2001م.
16. صبحي أنور رشيد. الموسيقى في العراق القديم ، ط1 ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1988م.
17. ي. قوجمان. الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق ، أصدرته آكت للتراجم العربية ، ط1 ، لندن ، طبع في بريطانيا العظمى ، 1978م.
18. السماك ، مهدي عبد الأمير. مذكرات وخواطر طبيب بغدادي ، جـ2 ، ط1 ، وزارة الثقافة ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 2002م.
19. موسوعة حضارة العراق ، تأليف نخبة من المؤلفين ، جـ 9 ، بغداد ، دار الحرية للطباعة ، 1985م.
20. الاعظمي ، حسين إسماعيل. المقام العراقي إلى أين ، ط1 ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2001م.
21. أ.كاظم. الاصطلاحات الموسيقية ، ترجمة إبراهيم الداقوقي ، بغداد ، مطبعة دار الجمهورية ، 1964م.
22. أحمد جهاد خلف. الخصائص الموسيقية لأغاني أطوار الأبوذية ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة بغداد ، كلية الفنون الجميلة ، قسم الفنون الموسيقية ، 1998م.