حول الغناء البغدادي وتلقيه واحوال المغنين - الشيخ جلال الحنفي



الشيخ جلال الحنفي

ان امر الغناء على طريقة المقام العراقي يعتبر من أبرز الخصائص البغدادية في أدبيات هذا البلد واجتماعياته، ولقد كانت تسمية المقام العراقي حرّية ان تكون (المقام البغدادي) غير ان الاصطلاح جرى على هذه التسمية وشاع بها من عهد بعيد فان المقام العراقي يقرأ في بغداد قراءة تختلف كثيراً عنه حين يقرأ في الموصل وفي كركوك، وهما بلدتان اشتهرتا بالمقام العراقي ايضاً، ولكن على نطاق غير واسع
ولقد كان مما لاحظته في أمرمغني المقام العراقي في بغداد انه لم يكن يعرف في صدر القرن الثالث عشر الهجري من مغني المقام العراقي بين اليهود أحد وانما كانت الشهرة للمغنين المسلمين.على أن اقدم من نعرف من مغني المقام العراقي في بغداد الملا حسن البابوجچي فلقد أدرك القرن الثاني عشر والثالث عشر ومات سنة ١٢٥٦ ه ولم أجد احداً الا ذكره وأطراه على التسامع. وقد أخذ عنه شلتاغ وابو حميد وحمد النيار والحاج حمد ابو دعدع والملا حسن البصير الشيخلي وحسقيل شاهين

وكذلك عرف من بين قدماء مغني المقام العراقي في بغداد السيد علي الحكيم والملا عبد الرحمن ولي (من أهالي كفري) وكان قد قدم بغداد فأخذ عنه شلتاغ بعض أنغامه

وقد كانت لقراءة المقام العراقي اساليب متعددة تنفرد كل منها بمنهاج خاص ولكن طريقة شلتاغ كانت أشهر من غيرها، فقد عرف في الرجل الحذق والبراعة في هذا الفن.كما ان شهرة (ابو حْمَيد) لم تكن أقل مدىً من شهرة شلتاغ وكذلك الحاج حمد النيار، وعن هؤلاء اخذ مشاهير من أدرك البغداديون في جيلهم الاخير من مغني المقام العراقي كأحمد زيدان وخليل رباز.وقد تعددت المدارس الغنائية للمقام العراقي فكان كل مغنٍ يعرف بطريقته وادائه الخاص، واقوى هذه الطرق واشهرها طريقة احمد زيدان وطريقة رباز وطريقة رزا

ومنا لاحظته ايضا من امر المواسقة والآلاتية في بغداد الذين عرفوا واشتهروا بالعرف على الچالغي البغدادي في القرن الماضي انهم كانوا من المسلمين جميعاً ثم تراجعوا عن ذلك الى اليهود فان حوگي پتو المولود في بغداد سنة ١٨٤٨ اخذ صناعة العزف على السنطور من محمد صالح السنطورچي وكذلك اخذ عنه حسقيل بن شمولي

وكان ناحوم بن يونه وهو من مشاهير العازفين على الكمانة قد اخذ صناعته من نسيم بن كحيلة وهذا اخذها من لطفي بن رزيج وهذا تلقاها عن بكرة الكردي

وكان حسقيل بن شوتة المولود سنة ١٢٥٧ ه قد اخذ فن الايقاع على الدف من خطاب بن بكر الشيخلي وقد اخذ عن خطاب ايضا شمعون زنگي فن الايقاع على الديرزان (الدف زنجاري)

وكان من مشاهير العازفون على القانون في الجيل الماضي اسماعيل بن احمد وقد اخذ عنه خضر بن طماشة المولود في بغداد سنة ١٢٤٨ ه

وكان من مشاهير الموقعين على الدنبك في الجيل الماضي عباس بن كاظم قرة جويد المولود في بغداد سنة ١٢٥٨ ه. وممن اشتهر في الايقاع على الدنبك عزيز بن كور باشا المولود في بغداد سنة ١٢٧٨ ه وقد اخذ فنه من كاظم بن قرة جويد، وهكذا كان هذا الضرب من الفنون مما لا يتحاشى جماعة المسلمين تعاطيه يومئذ، ولا غرابة في هذا اذا علمنا ان تكايا البكتاشية في بغداد كان يعزف فيها على الآلات الموسيقية المتنوعة وان الدف كان ولا يزال من الآلات المباحة في المساجد


في هذا المعجم مجموعة كبيرة من المغنين وحفظة المقام والخبراء والقراء في الأذكار والآلاتية العازفين على السنطور والكمانة والقارعين على الدنبك والديرزان
وانه لما يستثير العجب ان تلم بغداد على هذه اللمة الكبيرة من المغنين ومن في حكمهم، ولقد يدل ذلك على عمق الحس الموسيقي لدى القوم بحيث نشأت هذه الكثرة الكاثرة من جماعة المقام وهواته بين ظهرانيهم، وبحيث كان المقام بالاضافة الى مهمته الترفيهية حاجة ذات طابع ديني في بعض الاحيان بل في احيان كثيرة

ولعل مما يلفت النظر ايضا او مما ينبغي ان يقع عليه اكثر من سؤال واحد وهو كيف تلقى هؤلاء المغنون مقاماتهم وكيف وصلوا الى ضبط أنغامهم فهل كانت في بغداد مدرسة لتعليم هذا الفن الضخم العظيم؟!

لم تكن هناك مدرسة وانما كان هناك مغنون يغنون في الاماكن العامة وفي المقاهي ونحوها فتنبعث الرغبة الحادة في بعض النفوس فتحمل أناساً على متابعة هذه المقامات وملاحقة المغنين حيثما ذهبوا يغنون. ويتشيع كل فريق من هؤلاء الى مغنٍ مشهور يؤمنون بفنه فيلازمونه ويتلقون منه. وبمرور الايام والاعوام ينبغ بين هؤلاء طبقة من المغنين المجيدين. ولم يكن من طبع المغنين البغداديين ان يتساهلوا في تلقين احدٍ شيئا من المقام لأن المسألة شاقة والمقامات كثيرة وكل مقام يتقوم من نغمات شتى ولكل مقام هيكل نغمي ينبغي التزامه، وهذا كله يعيي المعلم ويتعب الطالب المتعلم

ولكن مرور الزمن وكثرة الاصغاء الى المقام وهو يقرأ في كل مناسبة وفي كل مكان وشدة الحرص على تلقيه وقوة الرغبة فيه الى حد الدنف يجعل امر حفظه وممارسته أمراً ميسوراً على من يكلف به ويتعشقه

وقد ذكر عن رشيد القندرچي انه كان وهو صغير حدث يحضر مجالس احمد زيدان حيث يغني في بعض المقاهي العامة فقد كان يجلس تحت التخوت التي كانت عالية يومئذ فينصرف بذهنه وروحه الى النغم وما يعرض له من تصرفات واطوار فيحفظ ذلك بكل حرص وانهماك



ومن رأى هواة المقام في أوائل ايامهم ليعجب منهم اذ يجدهم لا تفتأ حناجرهم تلهج بالنغمات بالحاح عجيب

ومن طبيعة المغنين ان يكونوا حريصين على غنائهم فلا يندفعون فيه الا بعد الحاح شديد ولذلك قيل في مثل بغدادي (لا تگله للمغني غني) لانه مطبوع على الممانعة. ولكن اذا غني امامه يندفع يغني، وهذا هو السبب في ايجاد الچالغي ووضع المقدمات الموسيقية بين يدي المغنين فان هذا ينشط في نفوسهم الرغبة في الغناء وتجويده.

ولا بد ان يكون الآلاتية الذين يصاحبون المغني عارفين بالمقام وحركاته النغمية من اجل ان يقوموا احيانا بدور المنبه له ولا سيما عند عروض الميانات والصيحات ونحوها، وقراءة الپستات بعده

والمغني البغدادي رغم ما يغلب عليه من الامية والجهل والفقر احيانا فانه عرف بالامانة في صنعته، وعرف كذلك بالحذق في ضبطها وضبط مواقعها ودقة نقلها ومعرفة ما ينبغي للغناء من رعاية الطبقات الصوتية

وكذلك استطاع المغني البغدادي رغم جهله واميته ان يحفظ ما شاء من الزهيريات والالفاظ الشعرية والقصائد العربية والفارسية والتركية على انه لا يبالي ان يخلط في ملفوظاته هذه تخليطا ويلحن بها لحنا عجيبا ويكسر من الشعر وزنه كسرا، فان ذلك مداه الذي يجول فيه

بديهي من امر الشعر ان اوزانه موسيقية الضرب، فاذا عرض للفظة شيء من الانكسار اختل وزنه النغمي. ولكنه من عجيب امر المغنين عندنا انهم لا يعترفون بهذا، فهم يكسرون الشعر اذا كسروه ولا يرضون تصحيحه، زاعمين انه لو صحح لما أستقام به الحن، ولا استوى فيه الغناء. من بعض النماذج على ذلك ما غناه الگبانچي قديما:

(لا تدعني أموت فيك أشتياقا وخلدا * فأتخذني لعبد عبدك عبدا)

فقد اقحم لفظة (وخلدا) في البيت اقحاما لا مكان له في نظام العروض، ومن ذلك ما غناه السيد جميل البغدادي:

(فعسى يعينك لمن شكوت له الهوى * في حمله فالعاشقون رفاق)

وصواب وزنه ولفظه (فعسى يعينك من شكوت له الهوى) وكنت ألفت نظر السيد جميل الى وجوب تصحيح وزنه فكان يرفض محتجاً بان الغناء يفسد بهذا التصحيح

وليس حفظ عشرات الانغام وضبط تركيبها في المقام بالامر اليسير ولكن مغني بغداد جاؤا في هذا المضمار بالمضمرات السوابق

ولم يكن المغني البغدادي يعرف ان راس ماله الاول في صناعته انما هو حنجرته الغالية، فلقد كان يجهل هذا ولذلك لم يكن يعني بأمر طعامه وشرابه، فالحوامض والمواد الحريفة والكحوليات وما الى ذلك كانت تتسرب الى جوفه فتخدش حنجرته دون ان يعنيه في ذلك شيء

بل كان على المغني ان يقرأ في الليلة الواحدة عشرات المقامات تباعا، فاذا كانت الليلة التالية صنع مثل ذلك اذا دعي الى چالغي ونحوه، وللچالغيات مواسم ومناسبات كما هو الحال بالنسبة للموالد النبوية فاذا تتابعت كادت حنجرة المغني بسبب ذلك تتلف تلفاً ظاهراً

ومن المغنين من اتخذوا الغناء حرفة لهم يرتزقون منها، فكانوا لا يستطيعون الامتناع عن الغناء بأجور لأن ذلك هو رزقهم المقسوم. واغلب المغنين تلفت اصواتهم في اواخر ايامهم. ومما يذكر ان (رباز) فسد صوته فلم يعد يستطيع ان يساير الآلات الموسيقية عند الغناء وانما كان يغني غناءاً مجرداً من الآلة

ومن المؤسف ان يؤول الامر بهذا الرجل النابغة الى الاستجداء من معارفه وغيرهم حيث كان يغني لهذا مقاماً ولهذا مقاماً من اجل ان يعيش، حتى بات يقترن باسمه الفقر والاملاق فقالوا في كناية لهم (يقره بجيبه رباز) يقولونها في المعدم من الناس

 

وهؤلاء المغنون حافظوا على اعظم ثروة نغمية قد تكون متصلة بتاريخ بغداد القديم، ولكن كثيراً منهم لم يستطيع ان يعيش الا اسوأ عيشة في عالم الحياة

ولقد يلاحظ في متابعة اسماء المغنين البغداديين ان فيهم طبقات مختلفة من الناس، ففيهم العلماء والوجهاء وفيهم ذوو الصناعات الوضيعة من حمّالين ونعلبندية ومچارّية وفيهم السقاؤون والخياطون وفيهم اليهود والنصارى والمسلمون وفيهم العرب والاكراد والاتراك والعجم والارمن

لقد خدم هؤلاء كلهم موضوع المقام العراقي وعنوا به أعظم عناية، فكان منهم المغني المحترف وكان منهم الخبير المطلع، ولقد كان حريّاً بذلك كله فانه أعظم تحفة حضارية تملكها بغداد اليوم

ومن الحق والواقع ان نثبت هنا ان ولاة بغداد يومئذ وسرواتها وكبار ذوي البيوتات فيها كانوا يعنون بالمقام ويسمعونه ويقربون اليهم اهله


 

Comments

Popular Posts ~ مقالات سابقة