الاغاني الشعبية ومناسباتها

عبد الكريم العلاف



عندنا مثل مشهور يعتبر من أجل الامثلة، وجرى به ان يكون رمزا يعبر عن غريزة الشعب العراقي، وهذا المثل هو: (اذا طابت النفوس غنت) ومعناه ان الانسان اذا توفر لديه الامن الدائم والاستقرار الشامل والحرية التامة وامتلأت نفسه سرورا واطمئنانا تجده يعبر عن هذا السرور والاطمئنان بالغناء!

ومن أحرى بهذا المثل غير الشعب العراقي الذي اشتهر بميله الى الغناء سواء كان في فرحه واحزانه؟ ومن ينكر اننا شعب يحتفظ بتراثه الشعبي ويتمتع بأغان مملوءة بأنغام شعبية بسيطة ومهما يكن من بساطتها فأنها تصطبغ بصيغة غنائية عاطفية تتفق مع رغبات ابناء الشعب.

والذي يصغي الى الفلاح العراقي وهو وراء محراثه يحرث الارض لزرعها والاستفادة من خيراته لا بد وان يسمعه وهو يغني غناء (النايل) المألوف عند ابناء الريف:

لزرع أشكاره العشيرى واسگيها ماي العين * واحصد اهروش الگلب لوما يجيني الزين

وحينما تقع عيناه على حبيبته وهو مقبل اليه يفرح ونراه يغني:

جاني ايتهيجل عشيرى گطن مندوف بعبوبه * اخضيره وازباد او مسچ فاضن من اجيوبه

وتسمع من البنائين غناء خاصا بهم يطلق عليه (العتابة) وهي غير العتابة الشائعة عندنا بفنونها عند قيامهم بالعمل فوق جدران البناء، ولم يكن هذا الغناء حديث العهد عندهم وانما ذكره ابو الفرج الاصفهاني بكتابه (الاغاني) حيث قال: ان معاوية بن ابي سفيان لما بنى دوره التي يقال لها (الرقط) جعل لها بنائين من أعجام العراق، وكان اولئك يغنون على بنيانهم ومن ذلك الحين اخذ البناؤن يغنون عند القيام بعملهم الى يومنا هذا تمسكا بهذا التراث القديم، ولهذا نرى البناء اليوم يغني ويحرق الارم متمنيا (والتمني راس مال المفلس) ويقول:

صار الغروب يا احبابي او كيف ما من * گهوه جديدة ولاچن تتن مامن 
تمنيت الحكم ، يمين مامن * ابحلگ الفاس اچربلي جواب

ويغني العمال عند حملهم (الجص والطابوق) لتمهيد اساس البناء انغاما متنوعة يخففون بها اتعابهم، فيجتمعون كتلة واحدة ويشرع احدهم بالغناء ويسمى هذا باصطلاحهم (الحداي) فيحدي وهم يرجّعون له مطلع اغنيته وهي:

حطّاب . حطّاب . حطّابي * جرح الگلب ما طابي
الحداي: يا يمه انطيني الدرگه * لشد واركب علزرگه
كل العرب محترگه * الا عرب حطّابي
العمال: حطّاب . حطّاب . حطّابي * جرح الگلب ما طابي
الحداي: يا يمه انطيني سيفي * لهجم وآخذلي حيفي
ايصير الوكت على كيفي * واتهنه ويّه احبابي
العمال: حطّاب . حطّاب . حطّابي * جرح الگلب ما طابي



ويستبان من غنائهم انهم يقصدون به احد شيوخ عشائر العراق المدعو حطّاب، ولهم اغاني كثيرة منها اغنية تغنى عند موعد اتمام العمل حينما ينظر استاذهم الى الساعة ليرى هل آن وقت الفراغ من العمل، فيغنون جميعا بحماس شديد ويقولون:

باوع زين يا استادي * باوع زين يا استادي 
انت لزمت الساعة * وآني لزمت افّادي

وراجت اغاني كثيرة كانت في غاية الغرابة ومع غرابتها كانت بمناسبات شريفة تتفق مع رغبات ابناء الشعب كأغنية (علروزنة) وهذه الاغنيات ظهرت في مدينة الموصل عام ١٣٢٦ ه المصادف عام ١٩٠٨ م ولرقة نغمها وحسن معانيها التي تفيض بالروح الوطنية انتشرت انتشارا عظيما في الموصل وبغداد، اما المناسبة التي كانت سببا لظهورها، هي ان فتاة في مدينة الموصل كانت مخطوبة لأحد اقربائها وكانا يتبادلان الحب العذري ويتحادثان بواسطة (كوّة) صغيرة فتحت في الجدار القائم بين داريهما، واهل الموصل يعبرون عن الكوة ب(روزنة) واهل بغداد ب(الرازونة) ولما علمت ام الفتاة ان ابنتها تتحادث مع خطيبها بواسطة تلك الروزنة غلقتها منعا للاتصال بينهما قبل عقد الزواج، ولم تكتف الام بهذا العمل وانما قالت (علروزنة الروزنة كل البلى بيها) فسمعتها ابنتها وجاشت في نفسها عاطفة الحب النزيه وعلى الفور اجابتها: (واشعملت الروزنة گمتي سديتيها) وبهذا المطلع والاجابة عليه اصبحت اغنية شعبية موصلية وراح الناس يهتفون بها هكذا 

علروزنة الروزنة كل البلى بيها * واشعملت الروزنة گمتي سديتيها 
ومنها:
اعمامتك يا مليحة خيّطوها اثنين * تگابلوا عليها الصناع والاستادين
امطرزة بالذهب تضوي على الخدين * وانهودك البارزة احواسك تغطيها

والى جانب هذا الشعور الفياض لتعبير الاغاني الشعبية والتعليق عليها، تغنى ابناء الشعب اغاتي لطيفة بألحان متقنة، ومن هذا يظهر ان الغناء هو الغذاء الروحي لشعبنا، وان ليالي الافراح فيما مضى لا عدد لها تضرب فيها الطبول وتزمر المزامير ويتعالى فيها ويدور رقص (الچوبي) على قدم وساق ولا فرق بين الغني والفقير وبين الشيخ والراعي.

وقد يبالغ بعض الاغنياء في بغداد فيجعل ايام الاحتفال بالعرس سبعة ايام كلها غناء ورقص بريء وفي يوم السابع تكون (الصبحية) وهذا كله دليل على انتا شعب يتمتع بأغانيه ذات النغمات المبتكرة والتي تشيع بين الآونة والاخرى وليس من اخد يعلم من هو صاحبها!


ومن الاغاني التي كانت تظهر عفوا اغنية (فتح ورد الباجلة) ومناسبتها ان بعض من تعود على احتساء الخمر بالجلوس في (المايخانات) اي الحانات لان بغداد لم يكن يومذاك فيها فنادق وبارات كما هي اليوم وهذه المايخانات عبارة عن مواخير مظلمة لا تدخلها شمس ولا هواء ولهذه الحالة التعيسة قال بعض الجالسين لرفقائه وهو ثمل سكران: اسمعوا يا جماعة الخير:

فتح ورد الباجلة * عيشة كدر ومذلة 

فأجابه بعضهم وهو ثمل ايضا والخمرة مفتاح القريحة (بالتجربة):

گوموا انروح ونتونس * انشم الهوه او نتنفس
نخلص من هذا المحبس * واتروح عننا العلة

ومعنى كلام الاول ان وقت الربيع قد حل وورد الباقلاء قد تفتح قوموا بنا لنذهب الى هناك ويريد بذلك مزارع الباقلاء واحسن مزرع للباقلاء هي ارض (المميز) وتقع في طريق الاعظمية واصبحت الآن دورا ومدارس، والجلوس في هذا المزرع خاص بأناس واضبوا على احتساء الخمرة به واستماع (المقامات العراقية)، اذ نشاهدهم منبثين به ومنتشرين في جوانبه، وجلوسهم عصر كل يوم الى وقت العشاء.

ونظرة واحدة نلقيها الآن على بغداد تكفي ان نجد اهلها يتمتعون بأنواع وسائل الراحة والرفاهية التي ما كانت تتاح للاجيال الغابرة وقد كان الناس تقاسي من مشاق السفر وما تضيق به فسحة العيش! وان من يقارن بين ما كانت عليه بغداد منذ اكثر من نصف قرن وما هي عليه الآن من السعة وانتعاش الحالة الاقتصادية يجد فرقا عظيما بين الحالتين وسبب ذلك زيادة حركة التجارة وسهولة المواصلات، ومن اهم تلك الوسائل ما انشئ من الجسور في بغداد لتسهيل مهمة العبور من جانب الى الجانب الآخر بعدما كانت واسطة العبور والنقل على جسر واحد مكون من سفن بشكل عوامات من انواع الخشب لا تخلو من اخطار الغرق على الرغم من ربطها بسلاسل غلاظ!


وقد مد هذا الجسر بين الضفتين الشرقية والغربية ويقطع عن العبور عند الفيضان واحيانا يجرفه الماء! ويبقى اهل بغداد تحت رحمة (القفف) جمع قفه و(البلام) جمع بلم اي قارب! وبهذه المناسبة اذكر حادثة مؤلمة ابكت العيون وأدمت القلوب ابان هذا الفيضان! وهي ان (قفة) مشحونة بجماعة من الناس قلعت من جانب الكرخ تروم العبور الى جانب الرصافة وفي وسط نهر دجلة الصاخب تلقتها امواجه فقلبتها رأسا على عقب وذهب من فيها ضحية الامواج ومن بين الذين في القفة رجلا له مكانته في بغداد عامة وفي جانب الكرخ خاصة يدعى (السيد ذيب) ولما سمع اهل بغداد ان السيد ذيب لقى حتفه غرقا في هذه الكارثة، وبين عشية وضحاها سمعت اهل بغداد يهتفون بهتاف لا يتعدى ان يكون هتافا رثائيا كقولهم:

جتي العمامة طايفة والروج يعلب بيها * ابعيد البله سيد ذيب راعيها


واذا ما اعيد اتصال هذا الجسر احتفلوا به احتفالا عظيما شبه (زفة) فيخرج الاهالي بالطبول والمزامير وينادون:

عود لينه يا جسرنه * رحت واحترنه ابأمرنه
الهذاك ااصوب بعدك * ما مشينه او لا عبرنه

ويا ليتني اعلم عند فيضان نهر دجلة وانقطاع الجسر عن العبور ماذا كانت تعمل تلك الفتاة المخطوبة لابن عمها؟ وكيف حال ابن عمها الذي لم يستطع صبرا لعدم مقابلتها ونهر دجلة يحول بينهما ويتعذر عليه العبور بواسطة القفف والقوارب، ولا لوم عليه اذا ما راح ينشد:

عليك يا من نأيت الفكر مشغول * والقلب من الشوق مشعول
كيف السبيل الى لقياك يا املي * وبيننا دجلة والجسر محلول 

وقد يدوم الفيضان أياما وتخرج الفتاة وتشاهد النهر والفيضان على أشده وأمواجه تتلاطم وتقف تدعو عليه ان يكون ماؤه منخفضا الى حد الكعبين وتقول:

ميّك لحدر الساگ يا شط عسنّك * محرمني شوف اهواي يلكلها منك 

وهذا المطلع اصبح اغنية وتغنى على قاعدة (رد الصدر على العجز) وهكذا:

عسنك يا شط عسنك * ميك لحدر الساگ يا شط عسنك
يمّنك يلكلها منّك * محرمني شوف اهواي يلكلها منك


ومن الاغاني التي كان يلهج بها الشعب العراقي اغنية (الگاوورية) ومناسبتها ان شابا من اهل بغداد كان يذهب مع بعض اقاربه الى الگاوورية اي الجزرة. والجزرة تظهر احيانا في نهر دجلة بعد انخفاض الماء في الصيف وكان ذهاب الشاب الى الجزرة بعلم من صديق له، فقال له صديقه وهو يلاطفه:

يعجبني نزلة اوياك للگاورية * تعطش واشربك ماي بچفوف ايديه


ولما اعلنت الحرب العالمية الاولى عام ١٩١٤ م سمع اهل بغداد اغنية استفزت مشاعرهم ومثل هذه الاغنية لا تخلو من مناسبة، وذلك ان جنديا جاء ليودع اهله ليلتحق بالجيش المحارب في جبهة الكوت فقالت له ابنته الوحيدة وهي تبكي:

يمسافر الله اوياك اوگف دحاچيك * خاف الفراگ ايطول ما بعد الاجيك
يا بابا خذني اوياك * مگدر على فرگاك
اتواعدني چا وين الگاك * روحي العزيزة تفداك 

وسرعان ما تلقفت الالسن هذا الكلام المفعم بالآم الفراق الذي لا لقاء بعده واصبحت اغنية الموسم.

وفي اواخر ايام هذه الحرب شاعت اغنية حزينة، وكانت مناسبتها ان فتاة زوّجها اهلها بمن لا ترغب فيه وكان صداقها بالعملة التركية (نوط) ورق عندما كان هذا (النوط) في غاية التدهور والانحطاط! وكانت الليرة الورق يومذاك تساوي ربع دينار مما اخذ هذا التدهور تجيش له الصدور وتضطرب لوقعه النفوس ولا بد من التعبير عما تكنه ااصدور فقالت البنت:

انا المسيچينة انا * انا المظيليمة انا 
انا الباعوني هلي * بالنوط والوعدة سنة

اما الوعدة سنة؟ فقد كتب على النوط التركي (بعد مرور سنة من انتهاء الحرب يعطى بدله ليرة ذهب)!
ولشعف الشعب العراقي بأغانيه اصبح كلام الفتاة اغنيته المفضلة!


ومن هذه الحوادث المؤلمة، ان فتاة زوجها اهلها - وهي تأبى الزواج - ولا ندري كيف جاز في عرف اولئك الآباء سوق بناتهم قهرا وتزويجهن بمن لا يرغبن فيهم؟ وهل يعاشر الحمل الوديع الذئب المفترس؟

ولحسن حظ الفتاة لم يمض على زواجها مدة من الزمن حتى توفى زوجها، وبعد زواجها بأشهر معدودة عاد اهلها الكرة عليها وارادوا تزويجها مرة اخرى طمعا بصداقها، وللزواج القهري نتائجه الوخيمة التي لا تخلو من الفواجع بين افراد العائلة التي لا تراعي حقوق الفتاة المسكينة! 

نعم - تلك عادة معيبة ومزرية دعت الآباء ان يتصرفوا في مقدرات بناتهم كأنهن سلعة مشتراة يدفعونها من دار الى دار ومن بلد الى بلد! واخيرا كلما حاولوا اقناع تلك الفتاة لم يفلحوا، حتى انهم وسّطوا احد السادة من اقربائها وقد خابت وساطته رغما عن نصائحه وارشاداته! ولما ضاق بالفتاة الامر قالت تخاطب السيد الوسيط:

صادوني وانحليت ما بعد أوالف * حچي الحچيته اوياي كله سوالف
مظلومة يا سيد آني مظلومة يمظلومة

ولا مراء اذا ما قلنا كان الشعب العراقي يتغنى بما يشعر به ويعبر عن صدى الحوادث والضرورة الغنائية تحتم عليه ان يستمع الى كل ما تميل اليه نفسه! 


ولما شاهد الناس ان الفتاة العراقية قد اجترأت على هدم التقاليد القديمة وقصت شعرها الفاحم او الذهبي الذي كان لها مظهرا من مظاهر حلى المرأة سمع هذه الاغنية:

ابنية بنت البيت گصت شعرها * علمودة تمشي ادلوع عافت سترها

ومرت الايام وبعد التفكير الطويل ادرك بعض النساء ان شعرهن الطويل كان افضل بكثير لهن من شعرهن المقصوص، وندمن على ما بدر منهن وعزمن على ترك ذلك الشعر ينمو من جديد ويرجع الى سابق عهده وهيهات!

ومن منا لم يسمع اغنية (ابو السدارة) عندما شاع لبس السدارة في بغداد ونبذ الطربوش (الفينة) نبذ النواة وهي:

يا حلو يا بو السدارة * امتيمك سويله چارة

ومنها:

ابليل اظلم ما تگلي * اشطلعك يا دله قللي
شرگ نورك للمصلي * اشتبه وذن علمنارة 


وناهيك بالباعة المتجولين وما توحيه اليهم غرائزهم من ضروب الغناء وهم منهمكون ببيع سلعهم بغناء مفعم بشعر شعبي (فولكلوري) واليك غناء بائع (الشربت زبيب) وهو ينادي على بضاعته:

شربتي شربت زبيب * اليندب الله ما يخيب

وما الطف غناء بائع الخيار حينما يرفع عقيرته وينادي:

يا خيار يا خيار * الجبر على الله يا خيار

وهذه النداءات لا ينادي بها الا وقت جلب الخيار الى الاسواق لاول مرة والذي يستلفت الانظار غناء بائع التفاح اذ يقول:

هب الهوى وارماك * لوما الهوى ما چان جبناك
ابيض او مقصور يا عجمي
ابيض ابجوده * مي الورد بخدوده
كوفي او شرابي يا عجمي

وتسمع بائع الكمأة (الچما) وهو ينادي:

حنطاوي يا چمه * مجروح لا تلچمه

ويريد بذلك الچمه (المخدوش) اي المفلوق نتيجة حفر الارض بالفؤوس لاستخراجها من باطنها ومن جراء ذلك يصيبها بعض الخدوش واجود الچمه النوع الاسود ويطلق عليها (حنطاوي).


واعجب من هذا كله قول بائع الشلغم الذي لا يخلو من حسن (التورية) حينما ينادي (مر علينه يا حلو) ليت شعري من هو الحلو. الشلغم المقصود بيعه ام غيره؟! ثم يشفع قوله (حلاوة ومايع) وثم (درمان الصدر) ودرمان كلمة تركية بمعنى دواء.

ويعجبني غناء بائع (الكبر) وهذا الطعام اللذيذ من نوع المخضرات ومن فصيلة المخللات اي (الطرشي) والذي يبيعه يحمله فوق رأسه ويتجول في الطرق وينادي بنغم مطرب شجي، وكلام مسجع منه:

(أكلك منافع يا كبر ، يكتل الدود . ايحمر الخدود . ايمتن الزنود . ايحسن النهود . يا كبر) ومع الاسف المرير ان هذا الطعام قد اهمل ولم نر له اثرا يذكر في بغداد هذه الايام. 


Comments

Popular Posts ~ مقالات سابقة