Related Posts with Thumbnails

Thursday, April 2, 2009

المقام العراقي - عرض و تلخيص

الشيخ جلال الحنفي

القول على المقام العراقي لايسعه فصل موجز فهو فن رائع يستحق كل الحرص و الرعاية رغم ما يظنه فيه جاهلوه من الظنون، و ليس من الغلو ان نرى للعراق طولا في مضمار النغم و الموسيقى على سائر البلاد العربية. و لقد كان حريا ان ينال المقام العراقي نصيبا كبيرا من الدعاية له و التعريف به، فأن الناس اعداء ما يجهلون. و لئن كانت اصوات فريق من قراء المقام العراقي غير صالحة للتعبير عن مكانته و تصوير روائعه، فلا تزال هناك دواع كثيرة تدعو الى اكبار هذا الفن الخالد و تقديره كل تقدير.

و المقام العراقي من حيث طريقة الالقاء على اسلوبين: الاول ان يبدأ المغني مقامه بلهجة هادئة مترنحة و صوت عريض واطيء، ضخم النبرات، و تسمى هذه الحالة بالتحرير. و بعد ان يمارس المغني اداء الانغام الكائنة في صلب المقام و تضاعيفه، تعرض له صيحات معينة مرسومة يسمونها "الميانات" و هي جمع ميانه. فاذا استوفى نقله النغمية ختم مقامه بلهجة تقارب الى حد ما لهجته في التحرير و يسمى الختام عندهم بالتسليم او التسلوم. و من المقامات التي تؤدى على هذه الطريقة: الرست، البيات، السيكَاه، الخنبات، الدشت، الشرقي اصفهان، الابراهيمي، المنصوري، المخالف، البختياري، الحديدي، الصبا، الاوج، النوى، العجم عشيران، الحجاز ديوان، الحسيني، المدمي، القطر، و البنجكَاه.

اما الاسلوب الآخر في الطريقة الإلقائية فهو ان يبدأ المغني قراءة مقامه بصيحة عالية تطول و تقصر، و قد يصعد بها الى طبقات متعالية و ينزل الى طبقات متدانية، و لا تسمى هذه الحالة تحريرا انما تسمى "بدوة". و في خلال ممارسه الانغام التي يتألف منها المقام تعرض للمغني صيحات خاصة على نحو ما سميناه الميانات، غير انها لا تسمى هنا ميانات انما تسمى "صيحات". اما الحالة التى ينتهي بها المقام فهي التسليم ايضا. و من المقامات التي تؤدى على هذه الطريقة: الطاهر، الدشت، المحمودي، الشرقي دوكَاه، الارواح، الناري، الحليلاوي، و الراشدي.

و قد اتخذوا لتحارير مقاماتهم و بدواتها الفاظا مرسومة حلت عندهم محل النوطة، ففي السيكَاه يكون التحرير عبارة عن تكرار لفظة " ألِلَي لِلَي لِلَي لِلَيلاه ".
و في تحرير الابراهيمي يكررون لفظة أخَيِ
و في النوى امان امان امان اَي
و في تحرير الرست يار يار يار
و في تحرير المدمي إي وِلَك إي وِلَك يابه يابه يا عيوني
و في الخنبات يريار يريار يريار
اما البدوات فان بدوة الارواح تكون لفظة" مَنا بالله يا حالي " و بدوة المحمودي " لا والله يا عيوني " و كذلك " لا والله كَلبي يا عيوني ". و في الشرقي دوكَاه " لا بِلَى لا بِلَى كَلبك و كَلبي " و في الطاهر " آلالُ يا لالُ يا لال " و في بدوة الراشدي " أبَبَه نَينِم ".

و كذلك الحال في الميانات فان هناك الفاظا خاصة يعتمد عليها في ذلك و لهم في خواتيم مقاماتهم كذلك الفاظ و لزوميات مقرره معروفة. ان اصغاءة ممعنة الى تلك التحارير و البدوات و الميانات و هي تتقلب على حناجر المغنين لتكشف عن مظاهر رائعة من الحذق و التجويد الفني لا يمكن المرور على مثلها دون الاعتراف لهذه الصناعة بالابداع و السحر و الفتنة. و لعل بين سامعي هذه المقامات من يظن ان القوم انما يلغطون بالفاظهم و صيحاتهم على غير وجه واضح و لا خطة مخطوطة في حين ان كل نبسه لهم ببنت شفة تستند الى قانون يلتزمون احكامه و اصوله و يقفون عند حدوده و رسومه. و على رغم ما يغلب على قراء المقام من الأمية فقد عرفت فيهم خصائص حرية بالاعجاب و التقدير فهم يتقنون ضبط الطبقات الصوتية اتقانا عجيبا و ينتبهون بسهولة ظاهرة لمن يخرج عليها و يجدون ذلك من اسوأ العيوب التي لا يغتفرونها.

و ينقسم المقام العراقي من ناحية الاداء اللفظي الى ضروب عدة. الضرب الاول ما يقرأ فيه الشعر الفصيح و منه مقام الحسيني، الحجاز، الصبا، النوى، و المنصوري. و الضرب الثاني ما يقرأ فيه الزهيري و هو الموال المنظوم على نمط خاص و من هذه المقامات الناري، الحديدي، المخالف، المدمي، العريبون عرب، الحليلاوي، الجبوري، القطر، الشرقي اصفهان، و الشرقي دوكَاه. و الضرب الثالث ما يقرأ بشعر اعجمي كمقام التفليس فانهم لا يزالون يقرأون فيه شعرا بالتركية، و مما كانوا يقرأونه بالتركية البشيري و الباجلان و كانوا يقرأون البيات و الرست بالفارسية سابقا. اما مقام العريبون عجم فلا زالوا يقرأون فيه شعرا بالفارسية اوله " اي كريمي كه أز خزانه ىء غيب، كَبر ترسا وزيفه خورداري، دوستان راكجاكني محروم، توكي بادشمنان نزر داري".

وينقسم المقام من حيث ما يكون ظاهر الشجا شديد الاثر في النفس كمقام المدمي و الحديدي و المخالف و السفيان و منها ما يكون هادئا لينا كالصبا و البختياري و المنصوري و الكَلكَلي، و هناك جماعة من المقامات ذات مستوى عال من الوقار و الضخامة كمقام الابراهيمي و النوى و البيات. اما المقامات التي تطغي عليها الخفة و يكون لها في النفس انتشاء ظاهر فمنها الحليلاوي و الطاهر و الارواح و الخنبات و الحسيني و الصبا. و هناك مقامات تبعث في النفس السكينة و الاستقرار والطمأنينة و النشوة منها القزاز و السعيدي و البختياري.

و قد تنبه الباحثون الاقدمون الى ما يقارن المقامات و الانغام من الخصائص و الطبائع فأثبتوا ذلك لها. قال الشيخ الامام شمس الدين محمد الاربلي في ارجوزته في ٧٢٩ هجرية:

فان عشاقا و بوسليكا * ثم نوى تفيدنا تسليكا
ثم لنيروز و اصبهان * و الرست و العراق في الانسان
بشر و لذة و بسط و انبذن * ما قد بقي منها بقبض و حزن

و كذلك لوحظ في بعض المقامات اختصاصات ثابتة فالخنبات للفخر و الحماسة، و المدمي و الحديدي للتشكي، و الماهوري لبعض المناسبات الروحية و التعبدية. و ينقسم المقام العراقي الى قسمين آخرين هما البساطة و التركيب، فالحكيمي، الدشت، الجمال، الحويزاوي، اللامي، الاوج، التفليس، الصبا، المثنوي، البهيرزاوي، البنجكَاه، الخلوتي، المدمي، و الجبوري مقامات ساذجة بسيطة. فهي تتألف من نغمات محدودة و لذلك كانت من اوائل ما يسهل على ممارسي الغناء تلقيه و حفظه. اما المقامات المركبة فهي التي تتألف من مجموعات نغمية كثيرة، بالاضافة الى ان تحاريرها او بدواتها و مياناتها و خواتيمها ليست مطواعة لكل ناعر بحنجرته، فهي تتطلب سيطرة على النغم و قدرة ظاهرة على الاداء و نفسا طويلا ضخما يسعف المغني حين يتقلب بين الطبقات الصوتية استعلالا و استفالا و حين ينتقل بين الانغام فصلا و وصلا. و من هذه المقامات الابراهيمي، النوى، الناري، الطاهر، العريبون عجم، الدشت، الرست، البيات و السيكَاه.

و لعلهم ارادوا ان يشيروا الى مثل هذا التقسيم حين ذهبوا الى ان المقامات انما هي اثنا عشر مقاما و ما دون ذلك شعب تبلغ اربعا و عشرين شعبه و هناك مقامات و انغام نشأت عن طريق التركيب و الدمج و هي كثيرة، و كنت قد سألت كبار من ادركت من المغنين في بغداد عن تلك المقامات الاثني عشر فكانت اجوبتهم تتباين و تتضارب فهم يعدونها على غير اصل ثابت و معروف .

كتاب المقام العراقي و اعلام الغناء البغدادي

1 comment:

  1. احسنتم اخي المشرف بنشركم هذا الكلام المهم والبليغ بورك فيكم واطال الله عمركم ووفقكم لما فيه الخير ^_^ اخوكم محمد النجماوي

    ReplyDelete