Related Posts with Thumbnails

Wednesday, July 28, 2010

البستة العراقية وارتباطتها الاجتماعية

الشيخ جلال الحنفي

تعد البستات من المصادر النغمية المهمة، و الاصل في تسميتها: انها تعني نغمة مذيلة تاتي بعد الفراغ من المقام اوقبل الفراغ منه ـ احياناً كالذي هو كائن مقام العريبون عرب ثم صارت تورد في مقدمات المقام كالذي نراه في مقام الحليلاوي. و غلب على البستات ان تغني بعد الانتهاء من غناء المقام اذ صار يغنيه الجوق الموسيقي المصاحب للمغني و يتولى ادارتها بستچي معترف به يكون ضمن جوق الجالغي في هذه الحالة وان لم يعزف شيئا

وتكون البستات من جنس النغمة الاساسية في المقام، و قد يشارك في انشاد البستة مغني المقام نفسه. و من الضروري الاشارة هنا الى ان قارئ المقام كان يجلس الى جوار جماعة الجالغي، و لم يعرف في غناء المقام وقوف المغني على قدميه انما حدث ذلك بعد الاربعينيات تقليداً لما كان يجري في بعض البلاد العربية بفعل ماحدث من ضخامة الفرقة العازفة و استعمال المايكروفونات لذا جعل للمغني حق الانفراد و البروز لاسيما حين يكون الغناء على مسارح كبيرة و امام مستمعين كثيرين

و كان اول من غنى في بغداد واقفا الاستاذ القبانجي ثم مضى على ذلك من بعده يوسف عمر و عبد الرحمن خضر و صار وقوف المغنين حالة طبيعية عند الغناء، و ان كان الجلوس خيراً للمغني اذ يكون في حالة جلوسه متمكناً من حنجرته و مسيطرا على الحالة الجسمية و يكون له في موقعه ما يتكئ عليه عند حاجته الى رفع صوته في ميانة و نحوها، و لايظهر عليه من التحركات الانفعالية ابان الجلوس كالذي يظهر عليه مما يشبه الرقص عند الغناء وقوفاً . و كذلك يتاح له عند الجلوس الى جماعة المواسقة العازفين ان ينتفع من ملاحظاتهم التي يهمسون بها في اذنه لفرط قربه منهم

لقد كانت البستات وسيلة اراحة للمغني عند الانتهاء من غنائه و اعني قراءة المقام. كما ان البستات كانت مجالا للابداع النغمي و التلحين الفني و استدعاء المستمعين الى المشاركة في ذلك، لاسيما ان كان للبستة مذاق وجداني و شعور شعبي او حالة تواجد شبه راقصه. و تعد البستات وثائق نغمية متميزة بحسن ادائها و لطف تلحينها اضافة الى ما عسى ان يكون التنويه فيها بحدث تاريخي فلقد كان بعض الغناء لدى البغداديين يؤرخ به لاكثر من مسالة كائنة في حياة الناس وستأتي الى ذلك. و اذا كان النص يقرا احياناً في غير مقام واحد فان البستة لا تتكرر باكثر من نغمة او تلحين بعينه، و معظم البستات التي غنيت في مجالس المقام ببغداد كانت موفقة في تلحينها و قد يكون مرد شيوعها الى هذا

ان لدينا من البستات القديمة المجهولة الملحن ـ والتي لم تكن قد نقلت من الحان قادمة من الخارج ـ اغنية (دشداشة صبغ النيل گومي بطرگها ، والگذلة ست طيات ماندل فرگها)، فان لهذه البستة تلحيناً موفقاً غاية التوفيق و ماتزال على قدمها تفعل فعلها في الامزجة و العواطف. و قد سمعتها يوما منقولة من يوسف عمر و كنت في الكويت عام ١٩٥٩ فكدت اغيب عن نفسي، و نظمت ابياتاً عبرت بها عن ظروفي في تلك الانحاء، و قد كانت ظروفاً تزدحم دقائقها و ثوانيها بثقال المتاعب و الهموم

و من بستاتنا القديمة الشجية : (بالله يا مجرى الماي ذبني عليهم) و منها (حّمل الريل و شال للناصرية، و اشبلش المحبوب بهالقضية). و لا بد من الاشارة الى ان تلحين هذه الاغاني و اداءها تكثر فيه التزيينات و التحركات النغمية و التمويج الصوتي الذي يأخذ بالالباب

و من هذه الاغاني (يالولد يا ابني، حس خالك يناديك) و (گلي يا حلو منين الله جابك، خزن جرح گلبي من عذابك) و (فوك النخل فوك، مدري لمع خده مدري لمع طوك) و (جواد جواد مسيبي) و (فراك الحلو بچاني، چالماطلية بالضلع) و (يازارع البزرنگوش، ارزع لنا حنة) و (حمولنا غربن للشام و ما جنا) و (يا صياد السمچ، صيدلي بنية). و هناك بستات بغدادية قديمة موغلة في القدم قد تنتمي الى ماقبل مئات السنين، منها (عفاكي عفاكي على فند العملتينو، انا اتعبتو و انا شقيتو على الحاضغ اخذتينو)، فانها تمثل كلام البغداديين القديم اذ كانوا يقلبون الراء الى غين، و قد انتقلت صور من لهجتهم الى مدن عراقية اخرى منها مدينة الموصل

اما البستات ذات العلاقة بتأريخ احداث وقعت في البلد فمنها (أنا المسيجينة انا، انا المظيليمة انا، انا الباعوني هلي بنوط والوعدة سنة) و هي تشير الى العملة الورقية التي اصدرتها الحكومة العثمانية ايام الحرب العالمية الاولى دون غطاء ذهبي، و قد كتب عليها ما يشير الى تعهد الدولة بدفع ليرات ذهبية لقاءها بعد انتهاء الحرب. فكانت الناس تتهرب من التعامل بها حتى كانت شكوى تلك العروس من زواجها على مهر من تلك النقود

و كانت مدينة الناصرية قد مصرت منذ اكثر من مئة عام، ثم صار القطار وسيلة التنقل اليها فكانت هناك اغنية تشير الى هذه الاحداث و هي (حمل الريل و شال للناصرية) و الريل هو القطار

و في اواخر ايام العهد العثماني كان هناك اتفاق بين طالب النقيب و الشيخ خزعل و ومبارك الصباح على تكوين دولة منشقة على الحكم العثماني، و شاعت آنذاك اغنية شعبية اولها

هم الثلاثة همة الخانوا الحكام يعبوده
طالب و خزيعل و الثالث

و قد جسدت هذه الاغنية تلك المحاولة اذ عبّرت عن تعلقها بالحكم القائم يومذاك، و احسبها نظمت و غنيت بعد وفاة الشيخ مبارك لدلالات لفظية وردت فيها ما يقوي هذا الظن و يشجع العامة على اطلاق ألسنتهم في الحركات السياسية عند فشلها

و حين دخل البرق العراق (التيلغراف) و نصبت اعمدته، كان هناك من نظم مقولة شعرية غناها، جاءت فيها اشارة الى هذا الاختراع غير مقصودة

يا تيل يا بو عمد
ودي لعشيرتي اخبار
فارگتهم من جهل
مدري وراية اشصار

و ما اوردناه من هذه النماذج يقع التمييز فيه بفضل لحنه بالدرجة الاولى، لان حكاية الموسيقى هي حكاية اللحن و العطاء النغمي، و اعمال الالفاظ في هذا الوجه انها هي مزيد من الفن و التعبير المعبر عن المشاعر و حاجات النفوس. و في ايامنا كان هناك شيء من مثل ذلك فعند ظهور (السدارة) التي اعتمر بها الشباب العراقي و الشخصيات الرسمية الكثيرة في أواخر العشرينيات غني الكبنجي اغنية (يا حلو يا بو السدارة، متيمك سوي له جارة

و حين قصت بعض الفتيات جدائلها غنى القبانجي (البنية بنت البيت گصت شعرها

و في ايام الحرب العالمية الثانية في الاربعينيات شاعت اغنية التموين

عمي يبو التموين يبه
دمضي العريضة، دمضي

اذ كانت الحياة الاقتصادية ترتبط بتوزيع بطاقات السكر و الشاي و الملابس القطنية و غير ذلك على الاهلين

و من الاغاني الجميلة التي شاعت قبل حين قريب ثم انكمشت عن الانطلاق اغنية

سمر سمار يسمر
منچ يغار الگمر
عيني سمر وين تروح
وانت الگلب وانت الروح
سمرة و وسيعة عين
عيني سمر عيني سمر
حلوة وجمالچ زين
عيني سمر عيني سمر

لرضا علي، فأنها من ناحية تلحينها وسرعة التحول الادائي فيها تعد من الاغاني المتميزة التي لايصح ان تنسى

عن جريده المدى

1 comment: