Related Posts with Thumbnails

Tuesday, March 31, 2009

النغمة في بغداد و الحس النغمي لدى البغداديين

كان للنغمة عند البغداديين شأن عظيم، فقد وجدناهم آخذين منها بهدب لا ينقطع. و اذا تركنا مسأله قراءه القرآن الكريم بالأنغام المتنوعه - من حيث ان ذلك دأب في تلاوة الآي القرآني في جميع البلاد العربية و المسلمة - فاننا نرى البغداديين يستغلون النغمة استغلالا لم يعرف مثله في غير بغداد.

فقد كان في الروزخانات القديمه - وهي محلات خاصة للمصارعة - رجل يسمونه المرشد يضبط للمصارعين الايقاع على دنبك في يده و يغني لهم ما يلائم العابهم من الانغام المنشطة للهمم و العزائم. فكان البهلوانيه اذا نزلوا الى جفر المصارعه لا يتحركون حركاتهم الفنيه الا على نقرات المرشد و الحانه. و مما يغنيه المرشد عاده في هذه الحاله مقام البنجكَاه و الدشت. وكان عمال البناء وهم فوق الحيطان يغنون اغاني و عتابات خاصة ترويحا للنفس و شحذا للهمة ، حتى ان الاسطه كان اذا طلب الحجارة من العامل الذي تحت يده خاطبه بألفاظ ملحنة يتغنى بها.

في الاسواق لا بد ان ينادي اصحاب السلع على سلعهم بأنغام مخصصة و جمل معينة، كأن ينادي بائع التفاح على تفاحه بقوله "لولا الهوى ما جبناك يا اعجمي" على نغم الركبانية و نحو ذلك كثير. و الصبيان و البنات حينما يلعبون في الازقة يلهجون بمقاطع و اناشيد ملحنة تلحينا خاصا. و لهم اناشيد و هوسات تتعلق بمناسبات معينة يحسنون غناءها و اداءها و منها ما يغنونه في ليله العيد "باجر عيد و نعَيد و نخرة بلحية سعَيد" . فقد قالوا بذلك ايام والي بغداد سعيد باشا (قتل سنه ١٩١٤) و قد كان يومئذ قد هان على الناس. و هناك أنشودة اخرى وصلتنا من اوائل القرن التاسع عشر و لا يزال يتغنى بها الاطفال في بغداد و هي:

طلعت الشميسة، على كَبر عيشة
عيشة بت الباشا، تلعب بالخرخاشه
صاح الديج بالبستان، الله ينصر السلطان
يا خوجتنا صرفينا، راح الوكت علينا
و شموسنا غابت، و ارواحنا ذابت
طلعنا ليبَره، شفنا حبيب الله
بيده قلم فضة، يكتب كتاب الله
يا فاطمه بت النبي، اخذي كتابج و انزلي
على صدر محمد و علي

و كان ابناء الكتاتيب يلهجون بها عند الغروب استدرارا لشفقه الملا عليهم فيأذن لهم بالرجوع الى بيوتهم.

و في التعازي و المناسبات يسمع الناس من افواه النائحات و العدادات ضروبا شتى من الانغام الشجيه. و قد اشتهر في بغداد من الناس من اتقن هذه الصناعة التي كانت معروفة منذ العهد الجاهلي. و رغم نهي الاسلام عنها فلا تزال قائمة في مجتمعنا حتى اليوم. و الهوسات الشعبية التي تلهج بها الجماهير في مناسبات كثيرة مصحوبة بالنقارات و الدمامات، ضرب من هذا الهوس النغمي.

و في الاوساط الدينية نجد المؤذن يؤذن بلحن نغمي ظاهر. و في ليالي الجمع و ايامها يقوم الممجد على مئذنة الجامع فيتلوا شيئا من الشعر بالاضافة الى عبارات و ملفوظات تسبيحية يلتزم فيها انغاما معينة. و كانت وظيفة التمجيد تناط بكبار المغنين، فقد كان احمد زيدان ممجدا في جامع منورة خاتون، و حسن الشكرجي ممجدا في جامع المرادية ، و ابو حميد ممجدا في جامع الخاصكي.

و كان الناس اذا نعوا ميتا لهم استدعوا من يقوم على سطح الدار فيمجد على نغم القزاز. كذلك كانوا اذا غسلوا الميت قام هناك ممجد يتغنى على نغم السفيان. لقد كانوا يودعون الميت باللحن الشجي، و لا بدع في هذا فقد كانوا يستقبلونه باللحن الشجي ايضا، فما تزال الامهات يغنيين لأبنائهن اغاني التنويم المعروفة على نغم المثنوي و من ذلك "دللول يالولد يابني دللول، عدوك عليل و ساكن الجول" و يغنيين لهم اغاني الترقيص و هي كثيرة جدا و مناغاة الامهات للرضع شئ معروف من عهد الجاهلية الاولى. غير ان ذلك بدأ يقل و ينعدم في المدن و الحواضر و يوشك ان يزول.

و كان للنغمة مكانها في مساجد المسلمين حيث كان على الخطباء ان يتلوا خطبهم المنبرية على مختلف النغمات. و قد شكا العلامة السيد محمود الآلوسي ابو الثناء حين عين خطيبا في جامع الباجه جي قال"الا اني عددت الخطابة نقمه لاني اجهل خطباء العراق بأصول النغمة، و الناس اليوم لا يسمعون خطيبا ما لم يكن عندليبا و لا يدخلون مسجدا ما لم يكن خطيبه معبدا. و معظم اهل العراق يكرهون الخطبا اذا لم يغنوهم بنحو الحسيني و الصبا، و يحسبون الاخلال بالالحان لحنا و ترك الاوزان الأعجمية في الدين وهنا". و في حلقات الاذكار لا بد ان يكون للانغام سلطان اذ انها تتألف من فصول يختص كل منها بجمله من الانغام و المقامات و لا سيما الذكر البغدادي و الذكر المصري.



ومثل ذلك يقال في التهليلات (جمع تهليلة) فأن هذه تتألف من فصلين يقرأ في اولهما مقام البيات و الارواح و الحجاز و العريبون عرب و السيكَاه و المخالف، و في الثاني الحكيمي و المنصوري و الطاهر و المحمودي. و لقراء الموالد النبوية اصول نغمية و فصول خاصة لا بد من التزامها الاصل النغمي بالاضافه الى ان اشغال المولود و هي اناشيده تنظم و تلحن نظم البستات و تلحينها. واذا عدنا الى تلاوة الذكر الحكيم نرى لديهم مزيدا من الحرص على اداءه بالنغم اداءا يظهر فيه التغني بأجلى مظاهره. وقد عرف في مقرئي بغداد هذا الاستعداد العجيب في التلاوة فقد اشار غير واحد من السواح و الجوابين الى حسن تجويد مقرئي بغداد و روعه الحانهم. وكانوا ما زالوا يحبسون على تلاوة القرآن الكريم في العيد انغاما من الطاهر و الماهوري و الخلوتي و العشيران و نحوها، و على هذا اللحن نفسه تقع التسبيحات التي يسبحون بها الله 



اما ادواتهم الموسيقيه فانها كثيرة على من يحصيها، و هي تظهر في الاعراس و الطهور و بعض المناسبات السارة. و قد يقرع الطبل و ملحقاته وراء جنازة تعبيرا عن فرط الحزن اذا كان الميت من الشباب و يسمون ذلك حزايني.

هذه استعراضات استعرضناها لنميز بها ما كان عليه البغداديون من فرط انهماك في الانغام و الالحان، و بهذا طغى المقام العراقي على اذواقهم طغيانا عظيما و سيطر على نهجهم سيطرة تامة.

الشيخ جلال الحنفي
كتاب المقام العراقي و اعلام الغناء البغدادي

No comments:

Post a Comment